July 26, 2026   Beirut  °C
رياضة

بين "أمركة" مونديال 2026 وتحديات النسخة الأكبر في التاريخ في السياسة والتنظيم والمناخ!

أغلقت كأس العالم 2026 باب الجدل حول إمكانية تنظيم بطولة تضم 48 منتخبًا، بعدما أثبتت التجربة أن التوسعة لا تعني بالضرورة تراجع المستوى الفني. فقد قدمت المنتخبات الجديدة أداءً مقنعًا، وأسهمت في صناعة عدد من أبرز قصص البطولة، فيما جاء تتويج إسبانيا نتيجة منطقية لمشوار اتسم بالثبات والتفوق الجماعي.

لكن البطولة كشفت في الوقت نفسه أن التوسعة لا تقتصر على زيادة عدد المنتخبات، بل تغير طبيعة كأس العالم نفسها. فقد أصبحت البطولة أطول زمنًا، وأكثر استنزافًا للاعبين، وأعلى كلفة للجماهير، وأثقل أثرًا على البيئة، كما ازدادت ارتباطًا باعتبارات السوق التجارية والنفوذ السياسي للدولة المضيفة.


وفي ظل دراسة "فيفا" توسيع البطولة مستقبلًا إلى 64 منتخبًا، ستوفر نسخة 2026 كثيرًا من الحجج المؤيدة لهذا التوجه؛ من مدرجات ممتلئة، وإيرادات قياسية، وحضور قوي لمنتخبات جديدة أثبتت قدرتها على المنافسة.


في المقابل، أظهرت التجربة أن كل توسعة تحمل معها أثمانًا موازية. فكلما اتسعت البطولة، ازدادت مدة المنافسات، وارتفعت كلفة السفر، وتضاعف الضغط البدني على اللاعبين، واتسعت مساحة التأثير التجاري والسياسي في الحدث الأكبر لكرة القدم.


وبذلك، يمكن القول إن مونديال 2026 لم يغير فقط عدد المشاركين، بل أعاد رسم ملامح كأس العالم، فاتحًا نقاشًا جديدًا حول الحدود التي يمكن أن يبلغها هذا التوسع، وما إذا كانت كرة القدم قادرة على الحفاظ على توازنها بين البعد الرياضي ومتطلبات السوق العالمية.


كأس عالم بطابع أميركي

ولم تقتصر التحولات على الجوانب الرياضية والتنظيمية، بل امتدت إلى الشكل الترفيهي للبطولة، التي حملت بصمة أميركية واضحة في كثير من تفاصيلها.


وبلغ هذا التوجه ذروته في المباراة النهائية، حيث امتدت استراحة ما بين الشوطين إلى 27 دقيقة لإقامة عرض موسيقي ضخم، في مشهدٍ غير مألوفٍ في نهائيات كأس العالم. كما حصل لاعبو المنتخب الإسباني المتوج باللقب على خواتم تذكارية على غرار ما يحدث في البطولات الرياضية الأميركية الكبرى.


وعلى الرغم من أن هذه الإضافات جاءت في إطار تعزيز الجانب الاحتفالي والتجاري للبطولة، فإنها عكست أيضًا توجهًا متزايدًا نحو تحويل كأس العالم إلى حدث ترفيهي متكامل، تتوسع فيه مساحة العروض والفواصل التجارية بالتوازي مع زيادة عدد المباريات واتساع السوق العالمية للبطولة.


وهكذا، كشفت نسخة 2026 أن التوسعة لا تعني فقط مشاركة عدد أكبر من المنتخبات، بل تفرض أيضًا تحديات جديدة تتعلق بالجدولة والإرهاق والمناخ وطبيعة التجربة الجماهيرية، وهي ملفات ستبقى محور نقاش قبل النسخ المقبلة من كأس العالم.


ترامب... حضور تجاوز دور الدولة المضيفة

لم تقتصر البصمة الأميركية على استضافة العدد الأكبر من المباريات، بل امتدت إلى الحضور السياسي المباشر للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي سعى إلى لعب دور يتجاوز حدود الدولة المضيفة.


فقد تدخل في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل خلال البطولة، عندما طالب رئيس "فيفا" جياني إنفانتينو بإعادة النظر في البطاقة الحمراء التي حصل عليها المهاجم الأميركي فولارين بالوغون أمام البوسنة والهرسك. وبعد ذلك، عُلقت عقوبة إيقاف اللاعب لمباراة واحدة بقرار غير مألوف، على الرغم من تأكيد "فيفا" استقلالية لجنته التأديبية.


وامتد حضور ترامب إلى ملفات أخرى، من بينها سياسات التأشيرات والهجرة، وتهديده السابق بنقل مباريات من مدن يديرها ديموقراطيون، قبل أن يقترح استضافة الولايات المتحدة منفردة لكأس العالم 2038، معلنًا أن النسخة المقبلة لن تشهد شراكة مع المكسيك وكندا.


وأبرزت المباراة النهائية هذا الحضور السياسي بوضوح، إذ وصل ترامب إلى الملعب بمروحية، ثم دخل أرضية الميدان إلى جانب إنفانتينو وسط صيحات استهجان من جزء من الجماهير، قبل أن يشارك في مراسم التتويج، فيضع الميداليات في أعناق لاعبي إسبانيا ويسلمهم كأس العالم.


وحملت تلك اللحظة مفارقة لافتة، بعدما جاءت عقب أشهر من انتقادات ترامب المتكررة للحكومة الإسبانية على خلفية ملفات سياسية ودفاعية. كما بقي الرئيس الأميركي في وسط منصة التتويج إلى جانب اللاعبين الإسبان، قبل أن يُطلب منه الابتعاد قبيل رفع القائد رودري الكأس، في مشهد اختصر حجم الحضور السياسي الذي رافق البطولة منذ انطلاقها وحتى صافرتها الأخيرة.

بين "أمركة" مونديال 2026 وتحديات النسخة الأكبر في التاريخ في السياسة والتنظيم والمناخ!
استضافة مشتركة... بثلاث تجارب مختلفة

استضافت الولايات المتحدة 78 مباراة موزعة على 11 مدينة، مقابل 13 مباراة فقط لكل من المكسيك وكندا، كما احتضنت جميع مباريات البطولة اعتبارًا من الدور ربع النهائي وحتى النهائي، ما جعلها المستفيد الأكبر من الحدث على المستويين الرياضي والاقتصادي.


وفي المقابل، اختلفت تجربة الجماهير من مدينة إلى أخرى. ففي بعض المدن، اندمجت الملاعب مع المراكز الحضرية وسهُل الوصول إليها عبر وسائل النقل العام، بينما بقيت ملاعب أخرى معزولةً داخل مجمعات واسعة صُممت أساسًا لحركة السيارات، الأمر الذي جعل التنقل أكثر تعقيدًا وكلفة.


وعلى الرغم من تسجيل شبكات النقل العام معدلات استخدام مرتفعة، فإن الوصول إلى بعض الملاعب استغرق وقتًا طويلًا، ما أفقد البطولة جانبًا من التجربة التقليدية التي تسمح للجماهير بعيش أجواء المونديال داخل مدينة واحدة أو منطقة محددة. وبدلًا من ذلك، وجد كثير من المشجعين أنفسهم أمام سلسلة من الرحلات الجوية والحجوزات المتعددة لمتابعة منتخباتهم.


وانعكس هذا التفاوت أيضًا على العائد الاقتصادي للدول المضيفة. ففي المكسيك، التي استضافت المباراة الافتتاحية و13 مواجهة، قدر محللون الأثر الاقتصادي بنحو ملياري دولار فقط، فيما جاء عدد الوظائف المؤقتة أقل من التوقعات، ولم تحقق قطاعات الفنادق والمطاعم المكاسب التي كانت منتظرة قبل انطلاق البطولة.


الجواز... عائق آخر أمام الجماهير

ولم تكن الكلفة المالية العقبة الوحيدة أمام الراغبين في حضور البطولة، إذ برزت أيضًا قيود التأشيرات، خصوصًا لدخول الولايات المتحدة.


فقد واجه مشجعون من دول عدة، بينها المغرب ومصر والأردن والعراق وأوزبكستان، صعوبات في الحصول على تأشيرات الدخول، بينما مُنع الحكم الصومالي عمر عبد القادر عرتن من دخول الولايات المتحدة رغم حيازته تأشيرة سارية المفعول.


وهكذا، عكست النسخة الأكبر في تاريخ كأس العالم مفارقة واضحة؛ ففي الوقت الذي توسعت فيه قاعدة المشاركة الرياضية لتشمل عددًا أكبر من المنتخبات، بقيت فرصة متابعة البطولة من المدرجات مرتبطة بعوامل لا تقل تأثيرًا عن كرة القدم نفسها، وفي مقدمتها القدرة المالية، وإجراءات التأشيرات، وجنسية المشجع ومكان إقامته.


بطولة أطول... وتحديات أكبر

لم تقتصر التغييرات التي حملتها نسخة 2026 على زيادة عدد المنتخبات المشاركة، بل شملت أيضًا رفع عدد المباريات من 64 إلى 104، وإطالة مدة البطولة بأكثر من عشرة أيام. ونتيجة لذلك، أصبح على المنتخب الراغب في إحراز اللقب خوض ثماني مباريات بدلًا من سبع، وهو ما جعل الطريق إلى الكأس أكثر تعقيدًا واستنزافًا.


لكن العبء لم يكن مرتبطًا بالأرقام وحدها، إذ جاءت البطولة عقب موسم طويل ومرهق على مستوى الأندية، فيما اضطرت بعض المنتخبات إلى التنقل بين مدن تفصلها آلاف الكيلومترات، وسط اختلافات كبيرة في درجات الحرارة والارتفاعات والتوقيتات المحلية.


وفي ظل هذه الظروف، وجد المدربون أنفسهم أمام معادلة جديدة، حيث باتت إدارة الجهد البدني للاعبين لا تقل أهمية عن إدارة المباريات نفسها. لذلك، لجأت العديد من المنتخبات إلى سياسة التدوير والحذر التكتيكي، حتى في أدوار كان يُفترض أن تشهد اندفاعًا هجوميًا أكبر.


فاتورة التوسعة... السفر والمناخ

وعلى الرغم من أن اعتماد ملاعب قائمة جنب الدول المضيفة كلفة إنشاء منشآت جديدة، فإن النسخة الأكبر من كأس العالم لم تكن أقل تأثيرًا في البيئة. فقدرت منصة "غرينلي" للمحاسبة الكربونية انبعاثات البطولة بنحو 7.8 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون، أي أكثر من ضعفي التقديرات الخاصة بمونديال قطر، فيما أشارت التقديرات إلى أن السفر الجوي وحده قد يكون مسؤولًا عن نحو 87% من هذه الانبعاثات.


وجعلت المسافات الشاسعة بين المدن المستضيفة التنقل تحديًا دائمًا. فالسفر بين فانكوفر وميامي، على سبيل المثال، يمتد لنحو 4500 كيلومتر، ولم تكن التجمعات الجغرافية التي اعتمدها المنظمون كافية للحد من الرحلات الطويلة التي اضطرت إليها المنتخبات والجماهير ووسائل الإعلام.


وبذلك، قدمت البطولة نموذجًا مختلفًا عن النسخ السابقة؛ إذ لم تحتج دول أميركا الشمالية إلى تشييد ملاعب ومدن جديدة، لكنها اعتمدت بصورة كبيرة على التنقل الجوي داخل قارة كاملة، وهو ما أبقى البصمة الكربونية مرتفعة.


ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية مع اقتراب مونديال 2030، الذي سيقام في ست دول موزعة على ثلاث قارات، ما يعكس توجهًا متزايدًا نحو التوسع الجغرافي، في وقت يواصل فيه الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" التزامه بخفض انبعاثاته الكربونية إلى النصف بحلول عام 2030.


المناخ يفرض نفسه على البطولة

إلى جانب درجات الحرارة المرتفعة، واجهت البطولة تحديات مناخية أخرى، أبرزها العواصف الرعدية التي أثرت في سير بعض المباريات. فقد توقفت مواجهة فرنسا والعراق لنحو ساعتين بسبب البرق، في واحدة من أبرز الحوادث التنظيمية خلال البطولة.


وعلى الرغم من نجاح المنظمين في استكمال جميع المباريات ضمن الجدول المحدد، فإن ما حدث شكل مؤشرًا واضحًا إلى التحديات التي قد تواجه البطولات الصيفية الكبرى مستقبلًا، في ظل التغيرات المناخية وازدياد الظواهر الجوية المتطرفة.

بين "أمركة" مونديال 2026 وتحديات النسخة الأكبر في التاريخ في السياسة والتنظيم والمناخ!
بين "أمركة" مونديال 2026 وتحديات النسخة الأكبر في التاريخ في السياسة والتنظيم والمناخ! - 1
بين "أمركة" مونديال 2026 وتحديات النسخة الأكبر في التاريخ في السياسة والتنظيم والمناخ! - 2
بين "أمركة" مونديال 2026 وتحديات النسخة الأكبر في التاريخ في السياسة والتنظيم والمناخ! - 3