August 26, 2026   Beirut  °C
أمن - قضاء

جيمي فرنسيس لـ"بالعربي" : العفو العام تحول إلى "بازار" سياسي

يعود ملف العفو العام إلى الواجهة، وسط نقاش سياسي وقانوني حول مصيره، في وقت لا تزال فيه صيغة القانون قيد الدراسة، فيما تتصاعد المطالبات بتسريع البت به، بالتزامن مع استمرار أزمة السجون والموقوفين.

ويأتي ذلك بعد التوتر الذي شهده سجن رومية، إثر وفاة أحد الموقوفين، وما تبعه من احتجاجات ومطالبات بمعالجة أوضاع السجناء، ليطرح مجددًا السؤال عما إذا كانت هذه التطورات ستشكل عامل ضغط إضافيًا على القوى السياسية، للدفع باتجاه إقرار العفو العام.


فهل اقترب موعد حسم القانون؟ وما المراحل التي لا تزال تفصل بين إقراره ودخوله حيز التنفيذ؟


وفي هذا السياق، قال المحامي والإعلامي جيمي فرنسيس إنه من الضروري التمييز بين العفو العام والعفو الخاص، أو بين مفهومي العفو بشكل عام.


وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن العفو العام وضع لأسباب محددة، لافتًا إلى أن القوانين في أي بلد قد تسن في مرحلة معينة، لكنها لا تتطور بالوتيرة نفسها التي يشهدها المجتمع، لتصل، في مرحلة من المراحل، إلى حد عدم إمكانية تطبيقها، أو استمرار تطبيقها بما قد يؤدي إلى ظلم معين.


وأشار فرنسيس إلى أن مبدأ العفو العام يأتي لوقف مفاعيل هذه القوانين، سواء بهدف إجراء مصالحة عن مرحلة سابقة، أو طي صفحة حرب أو نزاع، أو تجاوز تداعيات مرحلة معينة، معتبرًا أن هذا هو المبدأ العام الذي يقوم عليه العفو العام.


وفي ما يتعلق بالوضع في لبنان، قال إن المسألة بدأت من مبدأ إنصاف المظلومين، ولا سيما في قضية الإسلاميين، في ظل وجود نظام سابق في سوريا كان له تأثير مباشر في المشهد السياسي في لبنان، وكان حزب الله حليفًا له، ويتمتع، في تلك المرحلة، بنفوذ مباشر على المشهدين السياسي والقضائي.


وأضاف فرنسيس أن هذا الواقع أدى إلى ممارسات مخلة وتعسف في استخدام بعض القوانين، لافتًا إلى أن هذا التعسف أدى، بدوره، إلى اجتهادات خاطئة ومفاهيم غير سليمة في تطبيق القانون، وصولًا إلى تكدس السجون، مشيرًا إلى أن ذلك كان واضحًا، خصوصًا في ما يتعلق بالإسلاميين.


وربط طرح مبدأ العفو العام بالتحولات التي شهدتها المنطقة، قائلًا إن سقوط النظام في سوريا وخسارة حزب الله مشروعه في المنطقة كانا من العوامل التي ستؤدي إلى تغييرات في الداخل اللبناني.


وأضاف فرنسيس أنه، من هذا المنطلق، انتقل النقاش إلى طرح العفو العام، حيث بدأت دراسة المشروع على أساس إنصاف المظلومين، ولا سيما الإسلاميين. إلا أن إقرار مشروع القانون في مجلس النواب كان يتطلب عددًا أكبر من الكتل النيابية وتأمين الأكثرية اللازمة، ما دفع القوى السياسية إلى عقد تحالفات. ومع دخول كل طرف في تحالف، بدأت المطالب بإدخال جماعته ضمن المستفيدين من العفو العام.


واعتبر أن هذا المسار أفقد المشروع مفهومه الأساسي، مشددًا على أن العفو العام لا يصدر بأسماء أشخاص محددين، خلافًا للعفو الخاص.


وقال فرنسيس إن العفو الخاص كان سيكون الخيار الأفضل، بعدما تبين، في نهاية المطاف، أن مشروع العفو العام بات يتضمن إعفاءات خاصة لفئات محددة، لكن بدلًا من منحها طابعًا خاصًا، أدرجت ضمن صيغة العفو العام.


وأشار إلى أنه جرى تعديل عدد من المواد القانونية، ونتيجة لهذه التعديلات، أصبح من الصعب، حتى الآن، تحديد عدد الأشخاص الذين سيبقون في السجون أو الذين سيخرجون منها، خصوصًا أن هناك موقوفين لم تتم محاكمتهم بعد، وهؤلاء، بحسب فرنسيس، من حقهم الاستفادة من العفو إذا انطبقت عليهم شروطه.


وأكد فرنسيس أن هناك حالات كثيرة يشملها العفو العام ويجب أن يطبق عليها، لكنه لفت، في المقابل، إلى أن عددًا كبيرًا من الأشخاص سيستفيدون منه نتيجة تسييسه واستغلال مبدئه العام وفكرته الأساسية لتحقيق غايات خاصة.


وفي ما يتعلق بآلية دخول قانون العفو العام حيز التنفيذ، أوضح أن القانون، شأنه شأن أي قانون آخر، يدخل حيز التنفيذ عبر نشره في الجريدة الرسمية.


وأشار فرنسيس إلى أن الساعات الأربع والعشرين الأخيرة شهدت تبدلات متسارعة في المواقف، إذ كان هناك اتفاق على صيغة معينة، قبل الانتقال إلى صيغة ثانية ثم ثالثة، وصولًا إلى إقرار القانون بصورة سريعة، وصفها بأنها أقرب إلى عملية "سلق".


وأضاف أن هذا الأمر ربما أزعج بعض الفرقاء الذين كانوا يؤيدون القانون، بعدما تبدلت الحسابات السياسية، لافتًا إلى أن الملف أخذ منحى طائفيًا، بحيث بات تأييد القانون يقدم على أنه دعم للسنة في لبنان، فيما أصبح رفضه يفسر على أنه موقف سلبي من الطائفة السنية.


وأوضح فرنسيس أنه لا يقصد وزير الدفاع ميشال منسى تحديدًا، معتبرًا أن ما قام به الوزير كان خطأ من وجهة نظره، إلا أن المناخ السياسي المحيط بالملف أتاح للوزير الاستفادة من هذا الأمر والحديث عنه.


ولفت إلى أن المحطة الأساسية التي تسبق نشر القانون تتمثل في توقيعه من رئيس الجمهورية جوزاف عون، متسائلًا عما إذا كان رئيس الجمهورية سيوقع قانون العفو، ولا سيما في ظل اعتراض وزير الدفاع المحسوب عليه من جهة، والحملة التي بدأها التيار الوطني الحر، الخصم السياسي لرئيس الجمهورية، من جهة أخرى، والتي قال إنها تسعى إلى التشكيك بالقانون ومحاولة تشويه صورة رئيس الجمهورية على خلفية موافقته عليه.


وأوضح فرنسيس أن أمام رئيس الجمهورية خيارين خلال مهلة شهر: إما توقيع القانون، وإما طلب إعادة النظر فيه من مجلس النواب، عبر رده إلى المجلس لإعادة دراسته.


وأضاف أنه، في حال أعاد مجلس النواب إقرار القانون بالغالبية المطلقة، لا يعود رئيس الجمهورية قادرًا على وقف صدوره، ويدخل القانون بعد ذلك حيز التنفيذ وفق الأصول الدستورية.


أما في حال انقضاء مهلة الشهر من دون توقيع رئيس الجمهورية أو رده القانون إلى مجلس النواب، فيدخل القانون حيز التنفيذ بعد مرور شهر على إقراره من مجلس النواب، وفق الآلية الدستورية المعتمدة.


وفي ما يتعلق بآلية تطبيق قانون العفو العام، أوضح فرنسيس أن تطبيقه سيكون حالة بحالة، باعتبار أن لكل موقوف ملفًا خاصًا يتضمن سبب توقيفه، والاتهامات الموجهة إليه، والجريمة التي يتهم بارتكابها، مشيرًا إلى أن قانون العفو تناول هذه الجرائم وحدد الحالات التي يشملها.


وأضاف أنه، بعد دخول القانون حيز التنفيذ، وفي حال كانت الجريمة المنسوبة إلى الموقوف مشمولة بقانون العفو وتوافرت فيها الشروط المطلوبة، تتم معالجة كل ملف على حدة، أو ما يعرف بـ"Case by Case"، بحيث ينظر وكيل الموقوف أو المحكمة المختصة في وضعه، وتتخذ الإجراءات اللازمة لإسقاط الدعاوى أو الملاحقات المشمولة بأحكام العفو.


وشدد فرنسيس على أنه لا يوجد مبدأ عام يمكن على أساسه القول إن جميع الإسلاميين سيخرجون من السجون، أو إن شخصًا معينًا سيستفيد من العفو، معتبرًا أن القانون أصبح واسعًا إلى درجة يصعب معها تحديد المستفيدين منه مسبقًا، ولا سيما نتيجة ما رافق إقراره من تجاذبات سياسية.


وأشار إلى أن هذا الاتساع جاء نتيجة ما وصفه بـ"البازار السياسي" الذي رافق ملف العفو العام، لافتًا إلى أن حزب الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري سعيا، بحسب تعبيره، إلى إخراج مناصريهما، فيما حاول كل طرف سياسي إدخال من يعنيه ضمن المستفيدين من العفو تحت هذا العنوان.


وأكد فرنسيس أن الحسم سيكون عند بدء تطبيق القانون فعليًا، إذ ستدرس الملفات حالة بحالة، للتأكد من انطباق الجرائم المشمولة بالعفو والشروط المحددة عليها، موضحًا أن القانون يتضمن أيضًا شروطًا ومهلًا زمنية محددة، من بينها حالات مرتبطة بمدة 12 عامًا. وبالتالي، فإن العفو لا يعني إسقاط الجرائم بصورة كاملة وتلقائية، بل يخضع كل ملف للشروط والأحكام التي نص عليها القانون.


في المحصلة، يقف العفو العام أمام اختبار حقيقي: إما أن يكون إنصافًا للمظلومين وتصحيحًا لمظالم مزمنة، وإما أن يتحول إلى تسوية سياسية تكرس الاستثناءات. وبين منطق القانون وحسابات السياسة، يبقى السؤال الأهم: هل تنتصر العدالة، أم تحسم الملفات بمنطق الصفقة؟