August 24, 2026   Beirut  °C
مناطق

محمد بالوظة: تضارب الصلاحيات والبيروقراطية يعطلان العمل في بلدية بيروت.. وبعض أعضائها يحكمهم "البريستيج"

حالة من الفوضى المطلقة تعيشها شوارع وأحياء بيروت، وكأن المدينة ليست عاصمة لبنان. فمن يعاين الكثير من مناطقها، حتى تلك المحسوبة على بعض الأحياء الراقية، يلحظ الإهمال المستشري فيها، سواء لجهة كثرة الحفر التي تغزو طرقاتها، أو أرصفتها المحطمة، وأعمدة الإنارة المترنحة، أو أغطية المجارير المفقودة بفعل السرقة، والتي تهدد السلامة العامة، فضلا عن مشكلات أخرى كثيرة يحدث عنها بلا حرج.

مدينة متروكة وراع غائب عن السمع، أقصد هنا بلدية بيروت تحديدا، التي، ومنذ توليها زمام مهامها، غابت مهامها بشكل شبه مطلق، فيما لم يحضر منها ومن مجلسها البلدي سوى الاسم والموقع.

وفي خطوة تعد من الحالات النادرة التي يوجه فيها مسؤول بلدي انتقادات علنية إلى أداء المؤسسة التي ينتمي إليها، أطلق عضو مجلس بلدية بيروت محمد بالوظة صرخة مدوية عبر الإعلام، وجه خلالها انتقادات لاذعة إلى أداء المجلس البلدي، معتبرا أن العاصمة تعاني تقصيرا واضحا في معالجة مشكلات أساسية تمس حياة أهلها، وفي مقدمها الحفر التي تملأ الطرقات، والمجارير التي تطوف في عدد من المناطق، في ظل غياب الحلول السريعة لمعالجة هذه الأوضاع.


وفي كلام بالغ الصراحة، اعتذر بالوظة ، عبر الإعلام، من أهالي بيروت، مؤكدا أنه لا يملك جوابا عن أسباب استمرار هذه المشكلات، على الرغم من مرور نحو شهرين على وجود عدد من الحفر، وعلى الرغم من توافر الأموال لدى البلدية. وانتقد غياب التنسيق داخل المجلس، وكثرة الاجتماعات واللجان من دون الوصول إلى قرارات عملية، متسائلا: أنا عضو بلدي ولا أعرف أين المشكلة؟


ولم تقتصر انتقادات بالوظة على الحفر والمجارير، بل شملت أيضا الاستعداد لمواجهة موسم الأمطار والفيضانات، وملف النفايات الذي قال إنه لا يزال من دون خطة واضحة، في ظل غياب قرارات بشأن الفرز من المصدر والتسبيخ والمعالجة.


وعن مكامن الخلل في معالجة الأعطال والمشكلات المتراكمة في شوارع العاصمة، لا سيما في ملف الحفر، أوضح بالوظة عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن المشكلة، وفق ما أبلغه به رئيس المجلس البلدي المهندس إبراهيم زيدان، تكمن في عدم قيام الإدارة البلدية باستدراج العروض اللازمة لتنفيذ أعمال البنى التحتية. وقال إن زيدان يعتبر أن الإدارة البلدية، الخاضعة لسلطة محافظ بيروت، تتحمل مسؤولية هذا التقصير، الأمر الذي أدى إلى تراكم الأشغال والأعطال في مختلف أنحاء بيروت، مشيرا إلى أن معالجة هذه المشكلات تحتاج إلى آلية عمل واضحة تتيح تنفيذ الأشغال في وقتها، بدلا من تركها تتراكم وتتحول إلى أزمات مزمنة.


وردا على سؤال حول احتمال استقالته، أكد أنه ليس في وارد الاستقالة، معتبرا أنها في المرحلة الراهنة "لا تقدم ولا تؤخر". وقال إن المطلوب هو البقاء داخل المجلس البلدي والعمل على تصويب الأداء، مضيفا إنه قد يفكر بالأمر في حال حدوث استقالات جماعية. وشدد على أنه سيواصل رفع الصوت والمطالبة بتصويب العمل البلدي، على أن يبحث خيار الاستقالة في مرحلة لاحقة إذا تبين ألا سبيل إلى الإصلاح من داخل المجلس.


وعن الحلول التي يمكن أن تضع بلدية بيروت على السكة الصحيحة، رأى بالوظة أن الخطوة الأساسية تتمثل في وضع خطة عمل واضحة ورؤية متكاملة، بالتوازي مع إنشاء إدارة موازية للإدارة البلدية والاستعانة بالقطاع الخاص لتنفيذ عدد من المشاريع، وإعداد دفاتر الشروط تمهيدا لإطلاق المناقصات، مشيرا إلى أنه، بانتظار استكمال دفاتر الشروط وإطلاق المناقصات، يمكن اللجوء إلى تنفيذ بعض الأعمال وفق مبدأ الفاتورة، شرط أن يحصل ذلك ضمن خطة واضحة وبكل شفافية. واعتبر أن هذه الآلية تتيح البدء بمعالجة المشكلات وعدم انتظار انتهاء كل الإجراءات الإدارية.


وشدد على أن العمل البلدي يندرج في صلب مبدأ اللامركزية، باعتبار البلديات هيئات محلية يفترض أن تضطلع بدورها في إدارة شؤون مناطقها ومعالجة مشكلاتها.


وفي معرض حديثه عن واقع العمل البلدي، نفى بالوظة وجود عرقلة سياسية متعمدة للعمل داخل بلدية بيروت. وقال إن كل السياسيين يريدون للبلدية أن تنجح، متحدثا، في المقابل، عن وجود مشكلات مرتبطة بعدم الإلمام الكافي بالعمل البلدي، وعدم معرفة بعض المسؤولين بتفاصيل العاصمة واحتياجاتها، إضافة إلى وجود أشخاص يتعاملون مع موقعهم من منطلق "البريستيج".

وقال إن تضارب الصلاحيات والبيروقراطية يشكلان أيضا جزءا من المشكلة، معتبرا أن ما تواجهه بلدية بيروت ليس أزمة واحدة، بل "مجموعة مشكلات مجتمعة" تؤثر في قدرتها على تنفيذ المشاريع ومعالجة الأعطال المتراكمة.


وحدد بالوظة عدد من الملفات التي يرى أنها يجب أن تحظى بالأولوية في العمل البلدي، وفي مقدمها تزفيت الطرقات، والاستعداد لموسم الأمطار، ومعالجة أوضاع المجارير، وتحسين الإنارة، وتأهيل الأرصفة والبنى التحتية، إضافة إلى إصلاح الريغارات، في إشارة إلى التجهيزات والمنشآت المرتبطة بالخدمات العامة، بما يضمن تحسين مستوى الخدمات المقدمة لسكان العاصمة.


وعليه، لم يعد مقبولا أن تبقى العاصمة تعاني على مستوى الخدمات الإنمائية وإصلاح بنيتها التحتية، كما لا يجوز أن تبقى بلديتها أسيرة تجاذب الصلاحيات بين أركانها. فهذه البلدية، التي لم تتمكن منذ انتخابها من تحقيق إنجازات توازي حجم التحديات التي تواجه بيروت، بات أداؤها موضع انتقاد متزايد، إلى حد دفع كثير من أبناء العاصمة إلى الترحم على من سبقوها.