بعد البلبلة التي أثارها قرار هيئة رعاية شؤون الحج والعمرة في لبنان بشأن استمرار منع النقل البري لحملات الحج والعمرة وحصر سفر المعتمرين جوا، تتجه الأنظار إلى تداعياته، لا سيما على ذوي الدخل المحدود الذين يعتمدون على الرحلات البرية كخيار أقل كلفة للوصول إلى الأراضي المقدسة.
ويأتي القرار بعد حادث انقلاب حافلة كانت تقل معتمرين لبنانيين على طريق دمشق - درعا في سوريا، فجر 8 تموز 2026، وأسفر عن 4 قتلى و31 جريحا، ما أعاد طرح مسألة شروط السلامة في رحلات العمرة البرية، ومدى التزام شركات النقل بالمعايير المطلوبة، فضلا عن تحديد المسؤوليات تجاه المعتمرين في حال وقوع الحوادث.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس هيئة رعاية شؤون الحج والعمرة محافظ جبل لبنان القاضي محمد مكاوي أن قرار منع تنظيم رحلات العمرة برا ليس قرارا جديدا، بل يعود إلى قرارات صادرة عن رؤساء حكومات سابقين، مؤكدا أن الهيئة لا تملك صلاحية مخالفة قرار صادر عن رئيس الحكومة أو تعديله، وأن العمل مُستمر على إصدار قرار تنظيمي جديد يتيح تنظيم الرحلات البرية وفق شروط واضحة تضمن سلامة المعتمرين وحقوقهم.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن رحلات الحج برا ممنوعة منذ سنوات، فيما كان هناك منع قائم أيضا بالنسبة إلى رحلات العمرة البرية، قبل أن تجد بعض الشركات أخيرا طريقة للالتفاف على هذا القرار عبر التعاقد مع شركات نقل أجنبية، لا سيما شركات أردنية، بسبب الحظر المفروض على دخول الحافلات اللبنانية إلى الأراضي السعودية، مشيرا إلى أن الهيئة لم تكن تعارض مبدأ سفر المعتمرين برا بحد ذاته، لاسيما وأن هذا الخيار يراعي أوضاع ذوي الدخل المحدود ويخفف عنهم كلفة السفر بالطائرة، خصوصا في مواسم الحج والعمرة التي ترتفع فيها أسعار تذاكر الطيران. وأكد أن الهيئة حريصة على تشجيع هذا القطاع وتأمين هذه الخدمة للناس، ولكن ضمن شروط تضمن السلامة والمسؤولية.
وأوضح مكاوي أن ما دفع الهيئة إلى إعادة النظر في طريقة تنظيم الرحلات البرية هو ما تكشف بعد حادثة درعا من مخالفات جسيمة واستهتار وإهمال في التعامل مع المعتمرين، لافتا إلى أن الشركة اللبنانية كانت في بعض الحالات تؤدي دور الوسيط، فتتفق مع المعتمرين وتقبض منهم الأموال، فيما يُنقلوا فعليا بواسطة شركة أردنية، وبحافلات وسائقين وتأمين أردنيين.
وقال مكاوي إن المشكلة ليست في كون شركة النقل أجنبية، بل في الشروط التي رافقت هذا النوع من الرحلات، مشيرا إلى أن الحادث كشف أيضا خللا كبيرا في تحديد المسؤوليات، إذ إن الشركة اللبنانية تنصلت، في أعقاب الحادث، من مسؤوليتها وأبلغت المتضررين بأن عليهم مراجعة شركة النقل الأردنية وشركة التأمين.
وأعلن أن السلطات السورية تكفلت بعلاج المصابين في سوريا، فيما تولت وزارة الصحة اللبنانية متابعة علاجهم في لبنان، لكن القضية لم تنته عند حدود الاستشفاء، إذ سقط قتلى وأصيب أشخاص بإعاقات دائمة، فيما تعرض بعضهم لبتر أطرافه، وهناك حالات تحتاج إلى علاج طويل ومتابعة مستمرة، كاشفا أن طفلة في الثانية من عمرها فقدت يدها وكتفها، فيما كانت شركة التأمين قد عرضت في مرحلة أولى تعويضا بقيمة 500 دولار عن حالة الوفاة، قبل أن ترفع المبلغ بعد المفاوضات إلى ما بين ألف وألف وخمسمئة دولار.
وشدد مكاوي على أن الحوادث يمكن أن تقع في أي وسيلة نقل، حتى في الطيران، لكن المطلوب هو اتخاذ أقصى إجراءات السلامة وعدم التعامل مع المخاطر بمنطق الاتكال على الله فقط، مشيرا إلى أن التحقيق في حادثة درعا أظهر أن سائق الحافلة غفا أثناء القيادة. وأوضح أن السبب يرتبط بعدم وجود سائق مساعد يتناوب معه القيادة خلال الرحلة الطويلة التي تمر عبر لبنان وسوريا والأردن وصولا إلى السعودية.
وتساءل: هل يعقل أن تسافر حافلة في هذه المسافات الطويلة بسائق واحد؟، مشددا على ضرورة وجود سائقين على الأقل يتناوبان القيادة. وتحدث أيضا عن وجود مشكلات في حالة بعض الحافلات، حتى إن إحدى الحافلات كان مرحاضها معطلا، الأمر الذي يطرح علامات استفهام حول الصيانة والفحص الميكانيكي وشروط السلامة المعتمدة.
وأكد مكاوي أن هذه الوقائع دفعت الهيئة إلى التعمق في دراسة الملف، خصوصا بعدما بدأت تصلها شكاوى ومعلومات عن رحلات سابقة لم تكن بمستوى الوعود التي قدمت للمعتمرين، مشيرا إلى أن سلامة المعتمر وحقوقه يجب أن يكونا في صلب أي تنظيم جديد.
وفي ما يتعلق بالخطوات المقبلة، أوضح أن الهيئة أبلغت باستمرار مفعول قرار المنع، لكنها منحت مهلة حتى 15 أيلول المقبل، مراعاة للشركات التي كانت قد قامت بحجوزات وللمواطنين الذين كانوا قد خططوا للسفر، وذلك لتجنب تكبيدهم خسائر إضافية، كاشفا أنه رفع كتابا إلى رئيس الحكومة نواف سلام يتضمن رؤية الهيئة وأفكارها لتنظيم رحلات العمرة برا. وأكد أن الهيئة لا تمانع في الاستعانة بشركات نقل أردنية أو أجنبية، شرط وضع معايير واضحة تتعلق بالحافلات والتأمين ومسؤولية الشركات والالتزامات التي تقدمها للمعتمرين، على أن تكون هذه الوعود خطية وقابلة للمحاسبة.
وشدد مكاوي على أن دفع المعتمر مبلغا ماليا، مهما كان بسيطا، يمنحه حقا كاملا في الحصول على الخدمة التي وعد بها. وقال إن من غير المقبول اعتبار انخفاض كلفة الرحلة مبررا للتقصير في حقوق المعتمرين أو سلامتهم.
وأكد أن قرارا تنظيميا جديدا قد يصدر قريبا، مشيرا إلى أن رئيس الحكومة نواف سلام متجاوب ومتفهم للملف. وتوقع صدور القرار قبل 15 أيلول، موضحا أن القرار الجديد، في حال صدوره، سيتيح الانتقال من المنع إلى تنظيم السفر البري للعمرة، بما يحفظ حقوق المعتمرين ويحدد المسؤوليات ويضع شروطا واضحة للسلامة. وشدد على أن تعديل قرار سابق صادر عن رئيس الحكومة لا يمكن أن يحصل إلا بقرار من رئيس الحكومة نفسه، عملا بمبدأ توازي الصيغ.
وبينما يبقى السفر البري خيارا أقل كلفة لشريحة واسعة من المعتمرين، فإن إعادة تنظيمه تستدعي أولا وقبل كل شيء استيفاء شروط السلامة، والتأكد من جهوزية الحافلات وسلامتها الميكانيكية، وتأمين السائقين المؤهلين القادرين على التناوب خلال الرحلات الطويلة، إلى جانب وضوح مسؤوليات شركات النقل والتأمين. فسلامة المعتمرين وحقوقهم تبقى الأولوية، وأي تنظيم جديد يفترض أن يضمن لهم سفرا آمنا، بعيدا عن الإهمال أو التنصل من المسؤولية عند وقوع أي طارئ.