بعد أكثر من أربعة عقود على اختفاء عدد من أبناء الطائفة اليهودية اللبنانية خلال الحرب الأهلية، عاد ملفهم إلى واجهة المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية، بالتزامن مع الجولة السابعة من المحادثات التي استضافتها روما برعاية أميركية.
بعد أكثر من أربعة عقود على اختفاء عدد من أبناء الطائفة اليهودية اللبنانية خلال الحرب الأهلية، عاد ملفهم إلى واجهة المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية، بالتزامن مع الجولة السابعة من المحادثات التي استضافتها روما برعاية أميركية.
ويأتي إدراج ملف المفقودين والجثامين والرفات إلى جانب قضايا الأسرى والانسحاب والترتيبات الأمنية والحدود، في وقت تتجه فيه المفاوضات، وفق المعطيات المتداولة، إلى بحث ملفات تتجاوز الترتيبات العسكرية المباشرة وتمس جوانب إنسانية وقانونية متصلة بإرث الصراع.
وتستند مناقشة هذا الملف إلى الفقرة 13 من "صيغة اتفاق الإطار الثلاثي" الموقعة في واشنطن، والتي تنص على العمل من أجل البحث عن الرفات وإعادتها، إلى جانب إطلاق سراح المحتجزين والمفقودين لدى الطرفين.
تعود القضية إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما تعرض عدد من أبناء الطائفة اليهودية اللبنانية للخطف في بيروت، ولا سيما في منطقة وادي أبو جميل، التي كانت تشكل مركزًا رئيسيًا للحياة اليهودية في العاصمة.
وبين عامي 1984 و1987، اختفى 11 مدنيًا لبنانيًا يهوديًا، بينهم رجال أعمال وأطباء وأعضاء في قيادة الطائفة.
وأعلنت جهة أطلقت على نفسها اسم "منظمة المستضعفين في الأرض" مسؤوليتها عن عدد من عمليات الخطف، وربطت مصير المخطوفين بمطالب سياسية وأمنية.
وبحسب وثيقة منسوبة إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، مؤرخة في كانون الثاني/يناير 1986، كان اسم "منظمة المستضعفين في الأرض" يستخدم غطاء لعناصر متشددة مرتبطة بـ"حزب الله".
وتشير المعطيات التاريخية إلى أن عددًا من المخطوفين أعلن مقتله لاحقًا، فيما بقيت جثامين آخرين مفقودة.
من بين أبرز الأسماء الواردة في الملف سليم مراد جاموس، أمين سر الطائفة اليهودية، الذي خطف في آب/أغسطس 1984، وما زال مصيره مجهولًا.
كما شملت القائمة الطبيب إيلي حلاق، وإسحاق ساسون، رئيس الطائفة اليهودية، وإسحاق طراب، ويحيى بنيستي، ويوسف بنيستي، إضافة إلى آخرين.
وبينما استعِيدت جثامين عدد من الضحايا، بقيت رفات آخرين مفقودة، لتتحول القضية مع مرور السنوات إلى واحد من الملفات غير المحسومة من مرحلة الحرب الأهلية.
لا يمكن فصل ملف المفقودين عن تاريخ الطائفة اليهودية في لبنان.
فاليهود عاشوا في مدن ومناطق لبنانية مختلفة، بينها بيروت وصيدا وطرابلس وحاصبيا ودير القمر، وبرزوا في التجارة والأعمال والمهن الحرة.
وكان وادي أبو جميل في بيروت مركزًا رئيسيًا للطائفة، واحتضن المنازل والمتاجر والمؤسسات الدينية والاجتماعية، إضافة إلى كنيس ماغين أبراهام.
وفي منتصف القرن العشرين، بلغ عدد أفراد المجتمع اليهودي اللبناني، وفق تقديرات متداولة، نحو 14 ألف شخص.
لكن هذا الحضور بدأ بالتراجع تدريجيًا بفعل عوامل سياسية وأمنية واجتماعية، قبل أن تؤدي الحرب الأهلية، التي اندلعت عام 1975، إلى تسريع موجة الهجرة.
وأثار استخدام تعبير "الطائفة الإسرائيلية" في الوثائق اللبنانية التباسًا لدى البعض، إلا أن التسمية في سياقها القانوني والتاريخي لا تشير إلى الجنسية الإسرائيلية.
ويعود استخدام المصطلح إلى القرار 60 الصادر عام 1936، الذي نظم الطوائف التاريخية المعترف بها في لبنان.
وكانت التسمية الفرنسية المستخدمة آنذاك Israélite، في إشارة إلى الطائفة اليهودية، وذلك قبل قيام دولة إسرائيل الحديثة عام 1948 بنحو 12 عامًا.
وبالتالي، فإن "الطائفة الإسرائيلية" في السجلات اللبنانية كانت تسمية للطائفة اليهودية في لبنان، وضمت مواطنين لبنانيين، ولا تعني أن أفرادها كانوا إسرائيليين من حيث الجنسية أو الانتماء السياسي.
أدت الحرب الأهلية إلى مغادرة معظم أفراد الطائفة لبنان، وتوزعوا في دول عدة، من بينها فرنسا وكندا والولايات المتحدة والبرازيل.
وتضررت خلال الحرب مؤسسات وممتلكات يهودية، فيما تعرض كنيس ماغين أبراهام لأضرار قبل أن تبدأ لاحقًا جهود لترميمه وإعادة تأهيله.
واليوم، بات عدد اليهود المقيمين في لبنان محدودًا جدًا مقارنة بما كان عليه في منتصف القرن الماضي، من دون وجود إحصاء علني حديث يسمح بتحديد رقم دقيق.
لكن آثار المجتمع لا تزال حاضرة في بيروت، من الكنيس إلى المقابر والعقارات والوثائق، إضافة إلى ذاكرة العائلات التي غادرت البلاد.
عودة قضية المفقودين اليهود إلى طاولة المفاوضات تضع الدولة اللبنانية أمام سؤال يتجاوز التفاوض مع إسرائيل: ماذا حل بمواطنين لبنانيين اختفوا خلال الحرب، وأين أصبحت رفات من لم تستعد جثامينهم؟
كما تعيد القضية طرح مسألة مسؤولية الدولة في كشف مصير المفقودين، وفتح الملفات القضائية والتاريخية المرتبطة بهم.
وبالنسبة إلى عائلات الضحايا، فإن القضية لا ترتبط بتطورات سياسية راهنة بقدر ما تتعلق بحق أساسي في معرفة المصير واستعادة الرفات وإغلاق صفحة عمرها أكثر من أربعين عامًا.
ومع انتقال المفاوضات تدريجيًا من الملفات العسكرية والأمنية إلى قضايا إنسانية وقانونية، يبرز ملف يهود لبنان بوصفه جزءًا من إرث الحرب الأهلية الذي لم يحسم بعد.
فالمفاوضات قد تبحث اليوم في الانسحاب والحدود والأمن، لكن خلف هذه الملفات تبقى قصص مواطنين لبنانيين مفقودين، تنتظر منذ عقود إجابة عن السؤال الأبسط والأصعب: أين هم؟