في مرحلة دقيقة يمر بها لبنان، يعود دور الجيش اللبناني إلى صدارة المشهد، في ظل تحديات أمنية وسياسية متشابكة، تمتد من الجنوب والحدود إلى الداخل، وصولًا إلى ملف بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية.
في مرحلة دقيقة يمر بها لبنان، يعود دور الجيش اللبناني إلى صدارة المشهد، في ظل تحديات أمنية وسياسية متشابكة، تمتد من الجنوب والحدود إلى الداخل، وصولًا إلى ملف بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية.
وبين الإمكانات المتاحة وحجم المهمات الملقاة على عاتقه، تبرز تساؤلات حول قدرة المؤسسة العسكرية على فرض سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وضبط السلاح غير الشرعي، والتعامل مع أي جهة قد تعترض تنفيذ قرارات السلطة السياسية.
وفي وقت يرتبط فيه النقاش بقدرات الجيش العسكرية والتسليحية، يطرح خبراء مقاربة مختلفة تقوم على أن المسألة لا تتعلق فقط بحجم الترسانة أو نوعية السلاح، بقدر ما ترتبط بوجود قرار سياسي واضح يُترجم إلى أمر تنفيذي تتولى المؤسسة العسكرية تطبيقه على الأرض.
في هذا السياق، قال الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الركن المتقاعد سعيد القزح إن المؤسسة العسكرية قادرة على بسط سلطة الدولة، في حال صدر أمر تنفيذي واضح بذلك، سواء على منطقة محددة جغرافيًا أو على كامل الأراضي اللبنانية.
وأوضح القزح، عبر منصة "بالعربي"، أن الأمر لا يرتبط باسم المنطقة أو موقعها، سواء كانت العاصمة بيروت أو البقاع أو الشمال أو أي منطقة أخرى، مشيرًا إلى أن الجيش يمتلك القدرة على الانتشار وفرض سلطة الدولة متى صدر القرار بذلك.
ولفت إلى أن تطبيق قرارات الدولة لا يحتاج بالضرورة إلى صواريخ أو طائرات نفاثة، موضحًا أن الجيش اللبناني يملك العديد والتجهيزات والقدرات اللازمة لتنفيذ هذه المهمات، وأن المطلوب هو توافر الإرادة بشقيها السياسي والعسكري.
وبحسب القزح، فإن الإرادة السياسية تبدأ من الحكومة، وعلى رأسها رئيس الجمهورية جوزاف عون، عبر إصدار أمر تنفيذي واضح، وليس الاكتفاء بقرارات تصدر عن مجلس الوزراء من دون تحويلها إلى أوامر قابلة للتنفيذ، معتبرًا أن هذه الخطوة تشكّل الأساس الأول.
أما الجانب الثاني، فهو الإرادة العسكرية، أي مدى التزام القيادة العسكرية بتنفيذ أوامر السلطة التنفيذية. وأشار القزح إلى ثقته بأن القيادة العسكرية ستلتزم بتنفيذ قرارات السلطة السياسية، وستقوم ببسط سلطة الدولة على أي منطقة تُكلّف بها.
وفي ما يتعلق بالمناطق التجريبية، أوضح أن الجيش قادر على ضبط السلاح فيها وتنظيفها من أي سلاح غير شرعي ومنع دخول المسلحين إليها، مشيرًا إلى أن المؤسسة العسكرية لا تمنع أبناء هذه المناطق من العودة إليها، شرط أن تكون العودة ضمن إطار سلمي، ومن دون حمل السلاح أو القيام بأي نشاط عسكري أو العمل على إعادة بناء أي قوة مسلحة.
وأشار القزح إلى أن دور الجيش يتمثل في ضبط أي أعمال مخلّة بالأمن، أو أي أعمال تصنّفها الدولة خارجة عن القانون، مؤكدًا أن أي نشاط عسكري أو أمني غير شرعي داخل هذه المناطق سيكون موضع متابعة وضبط من قبل الجيش.
وفي ما يتعلق باحتمال تصدي أي فريق غير شرعي للجيش أثناء تنفيذ مهماته، أوضح أن هذا الفريق سيُعامل كجهة خارجة عن القانون تعتدي على القوى الأمنية والمؤسسة العسكرية.
وأضاف القزح أن الجيش سيطبّق بحقه القوانين اللبنانية المرعية الإجراء، باعتباره من المخلّين بالأمن أو الخارجين عن القانون، مشددًا على أن القوى الشرعية اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخوّلة احتكار استخدام القوة والعنف المشروع من أجل تطبيق القانون وحماية الدولة.
وأوضح أن أي مواجهة عسكرية مع الجيش اللبناني خلال تنفيذ مهماته ستُعامل كاعتداء على المؤسسة العسكرية، وأن الجيش يملك الصلاحية القانونية للرد باستخدام القوة ضمن إطار القانون والدستور، باعتبار أن الدولة وحدها تملك حق فرض النظام والأمن.
وأشار القزح إلى أن هذا هو جوهر فكرة الأمن القومي وبناء الدولة، لافتًا إلى أن من أبرز سمات الدولة الحديثة، وفق نظريات علم السياسة، احتكار العنف المشروع، أي أن تكون القوة المنظمة بيد المؤسسات الشرعية وحدها.
يشكّل الجيش اللبناني، أو القوات المسلحة اللبنانية، المؤسسة العسكرية الرسمية للجمهورية اللبنانية، ويتولى مهام الدفاع عن الوطن والحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي، إلى جانب المساهمة في المهمات الإنسانية والإنمائية.
ووفق مؤشر القوة العسكرية الصادر عن Global Firepower لعام 2026، يحتل الجيش اللبناني المرتبة 118 عالميًا من أصل 145 دولة، في ظل إمكانات عسكرية محدودة مقارنة بجيوش المنطقة، وميزانية دفاعية تُقدّر بنحو 800 مليون دولار سنويًا.
ويضم الجيش نحو 160 ألف عنصر، بينهم نحو 80 ألف عسكري في الخدمة الفعلية، إضافة إلى 15 ألفًا في الاحتياط و65 ألفًا ضمن القوات شبه العسكرية. كما يمتلك قدرات برية وجوية وبحرية تشمل آليات مدرعة ودبابات ومدفعية، إلى جانب طائرات ومروحيات وقطع بحرية.
ولا تُقاس أهمية الجيش بحجم عديده أو تجهيزاته فحسب، بل أيضًا بالدور الذي أداه في محطات مفصلية من تاريخ لبنان، من حماية الحدود إلى مواجهة التنظيمات المسلحة، مرورًا بالحفاظ على الأمن خلال الأزمات.
تعود جذور الجيش اللبناني إلى عام 1916، خلال الحرب العالمية الأولى، مع تأسيس فرقة الشرق التي ضمت متطوعين لبنانيين قاتلوا إلى جانب الحلفاء.
وفي عام 1918، تشكّلت داخل الفرقة السرية 23، التي تُعد أول نواة عسكرية لبنانية منظمة.
ومع قيام الانتداب الفرنسي عام 1920، أُعيد تنظيم هذه القوات تحت اسم قوات المشرق الخاصة، التي ضمت عناصر لبنانية وسورية وخضعت للقيادة الفرنسية، قبل أن تشكّل لاحقًا النواة التي انطلقت منها الجيوش الوطنية بعد الاستقلال.
وفي عام 1926، بدأت فرنسا تشكيل أفواج القناصة، التي أصبحت لاحقًا نواة وحدات المشاة في الجيش اللبناني.
وبعد استقلال لبنان عام 1943، انتقلت الوحدات العسكرية تدريجيًا إلى سلطة الدولة اللبنانية، إلى أن تسلّمت الحكومة قيادة الجيش بشكل كامل في الأول من آب عام 1945، وهو التاريخ الذي أصبح يُعرف بعيد الجيش اللبناني.
شارك الجيش اللبناني للمرة الأولى في الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948، حيث خاض معارك على الجبهة الشمالية لفلسطين، أبرزها معركة المالكية.
وخلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، شهدت المؤسسة العسكرية مرحلة توسع وتطوير، مع إنشاء الكليات والمدارس العسكرية وتعزيز بنيتها التنظيمية.
لكن اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 شكّل محطة مفصلية، بعدما أدى إلى انقسام الجيش وتراجع دوره كمؤسسة وطنية موحدة.
بعد انتهاء الحرب الأهلية، شكّل اتفاق الطائف عام 1989 بداية مرحلة إعادة توحيد الجيش، عبر دمج الوحدات وإعادة تنظيم القيادة، بهدف إعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية.
وخلال تسعينيات القرن الماضي، عاد الجيش تدريجيًا إلى الانتشار في مختلف المناطق اللبنانية، متوليًا مسؤولية بسط سلطة الدولة.
بعد الانسحاب السوري من لبنان عام 2005، واجه الجيش تحديات أمنية متزايدة، كان أبرزها معركة نهر البارد عام 2007 ضد تنظيم "فتح الإسلام"، التي استمرت أكثر من ثلاثة أشهر وانتهت بالقضاء على التنظيم.
ومع اندلاع الحرب السورية عام 2011، انتقلت التحديات إلى الحدود الشرقية، حيث خاض الجيش مواجهات مع مجموعات مسلحة في جرود عرسال ورأس بعلبك والقاع.
وفي آب 2017، أطلق عملية "فجر الجرود"، معلنًا استعادة السيطرة على الحدود الشرقية وإنهاء وجود تنظيم "داعش" داخل الأراضي اللبنانية.
شكّلت الحدود الجنوبية واحدة من أبرز ساحات عمل الجيش اللبناني، منذ مشاركته في حرب عام 1948، مرورًا بالاجتياحين الإسرائيليين للبنان عامي 1978 و1982، وصولًا إلى حرب تموز 2006.
وبعد صدور القرار 1701، أعاد الجيش اللبناني انتشاره في الجنوب حتى الخط الأزرق، بعد غياب استمر نحو ثلاثة عقود.
يعتمد الجيش اللبناني منذ سنوات على المساعدات الدولية لتعزيز قدراته، في ظل محدودية الإمكانات المالية.
وتُعد الولايات المتحدة أبرز الداعمين، إلى جانب عدد من الدول العربية والأوروبية، حيث تشمل المساعدات التدريب والتجهيز والدعم اللوجستي، كما توسعت بعد الأزمة الاقتصادية التي يشهدها لبنان منذ عام 2019.
يواجه الجيش اللبناني اليوم تحديات متشابكة، تتراوح بين الحفاظ على الأمن الداخلي وحماية الحدود والتعامل مع تداعيات الأزمات الاقتصادية والتطورات الأمنية في الجنوب.
وبين تاريخ يمتد لأكثر من قرن، ومحطات عسكرية وأمنية تركت بصمتها في تاريخ لبنان، يجد الجيش نفسه اليوم أمام اختبار جديد يرتبط بقدرته على تنفيذ قرارات الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها.