August 08, 2026   Beirut  °C
أمن - قضاء

الرافعي: لماذا تمت تبرئة مناصري النظام وتجريم مناصري الثورة السورية؟ والأيوبي: بين 50 و70 لبنانيا ممنوعون من العودة

سنوات مضت، تبدّلت خلالها المعادلات وسقط نظام بشار الأسد، لكن ملفات لبنانيين غادروا بلادهم لمناصرة الثورة السورية لا تزال عالقة في أدراج مرحلة سياسية وأمنية انتهت. شبان لا يزالون خارج وطنهم، بعضهم استقر في سوريا وبعضهم بات يشغل مواقع في الدولة السورية الجديدة، فيما تبقى عودتهم إلى لبنان معلّقة بفعل ملاحقات وملفات تعود إلى زمن كانت فيه موازين القوى مختلفة كليًا.

اليوم، ومع دخول لبنان وسوريا مرحلة جديدة، يعود ملف المبعدين اللبنانيين إلى الواجهة، حاملًا معه أسئلة تتجاوز مصير عشرات الأشخاص إلى كيفية تعامل الدولة مع إرث المرحلة السابقة: لماذا حوكم من قاتل إلى جانب المعارضة السورية، فيما لم يخضع من قاتل إلى جانب نظام الأسد للمعايير نفسها؟ وهل حان الوقت لإعادة فتح هذه الملفات ومراجعتها، بما يسمح لهؤلاء بالعودة إلى وطنهم وتسوية أوضاعهم؟


إنه واحد من الملفات التي بقيت لسنوات بعيدة عن الضوء، بعدما غادر أصحابها لبنان في مرحلة كانت فيها سوريا ساحة صراع مفتوح، قبل أن تنقلب المعادلات وتتغير السلطة هناك. وبين ماضٍ انتهت ظروفه وواقع سياسي جديد، يبقى السؤال: هل تطوي الدولة اللبنانية هذه الصفحة وتفتح أمام هؤلاء طريق العودة إلى وطنهم؟


الرافعي: كيف جرت تبرئة من ناصر النظام وتجريم من ناصر المعارضة؟

وفي هذا الإطار، دعا الرئيس السابق لهيئة علماء المسلمين وإمام وخطيب مسجد التقوى في طرابلس، الشيخ الدكتور سالم الرافعي، الدولة اللبنانية إلى إعادة النظر في ملف المبعدين اللبنانيين الموجودين في سوريا، بعد إقرار قانون العفو العام، والعمل على شمولهم بهذا القانون، معتبرًا أن إنصاف هؤلاء يشكل استكمالًا للعفو الذي شمل شبانًا من أهل السنة سُجنوا في لبنان على خلفية مواقفهم المؤيدة للثورة السورية.


وأكد، عبر منصة "بالعربي"، أن مناصرة الثورة السورية كانت السبب الذي دفع عددًا من الشبان اللبنانيين إلى السجن داخل لبنان، كما دفعت آخرين إلى مغادرة البلاد، مشددًا على أن العدالة تقتضي معالجة الملفين معًا، وعدم التمييز بين من اختاروا الموقف نفسه في تلك المرحلة، سواء كانوا داخل السجون اللبنانية أو خارج البلاد.


وانتقد الرافعي طريقة تعاطي المحكمة العسكرية مع هذا الملف، معتبرًا أنها شكلت "صفحة سوداء" في تاريخ القضاء اللبناني، متسائلًا عن المعايير التي اعتُمدت في إصدار الأحكام بحق اللبنانيين الذين انخرطوا في الأحداث السورية خلال السنوات الماضية.


وقال إن طرفين لبنانيين شاركا في تلك المرحلة في الأحداث السورية، حيث وقف طرف إلى جانب النظام السوري، فيما وقف الطرف الآخر إلى جانب الشعب السوري وثورته، متسائلًا عن سبب التمييز بين الطرفين في المسار القضائي، بحيث تمت تبرئة مناصري النظام وتجريم مناصري المعارضة، رغم أن الدولة اللبنانية كانت تعلن رسميًا اعتماد سياسة النأي بالنفس وعدم الانحياز إلى أي طرف.


وأشار إلى أن المرحلة الجديدة التي تشهدها سوريا تستوجب من الدولة اللبنانية مراجعة سياساتها السابقة، وتصحيح ما وصفه بالأخطاء التي ارتُكبت بحق الشعب السوري وبحق اللبنانيين الذين ناصروا ثورته، معتبرًا أن سقوط النظام السابق يفرض مقاربة مختلفة لهذا الملف.


ودعا الرافعي الدولة اللبنانية، إذا كانت تريد فتح صفحة جديدة مع المكون السني في لبنان ومع الدولة السورية الجديدة، إلى إلغاء مفاعيل الأحكام التي صدرت خلال المرحلة السابقة، والتي وصفها بالجائرة، والعمل على معالجة هذا الملف من منطلق العدالة وإنهاء تداعيات مرحلة سياسية وأمنية انتهت.


الأيوبي: انفصام في أداء الدولة

من جهته، أوضح الكاتب السياسي أحمد الأيوبي أن قضية الشبان اللبنانيين الذين ناصروا الثورة السورية وشاركوا في القتال ضد نظام بشار الأسد هي من مخلفات المرحلة التي سيطر فيها النظام السوري على سوريا ولبنان، مشيرًا إلى أن هذه القضية بدأت تطفو مجددًا على سطح الإعلام، رغم أنه سبق أن أثارها في مقابلات عدة.


وقال، عبر منصة "بالعربي"، إن هؤلاء الشبان كانوا قد ناصروا الثورة السورية وتوجهوا إلى سوريا للقتال ضد النظام، فيما فر بعضهم لاحقًا إلى تركيا، لافتًا إلى أن هؤلاء لا يزالون ممنوعين عمليًا من دخول لبنان، رغم التغيير الذي حصل في سوريا وسقوط النظام الذي كانوا يقاتلونه.


وأشار الأيوبي إلى أن هؤلاء الشبان كانوا متهمين بالإرهاب بسبب قتالهم نظام بشار الأسد، متسائلًا عن استمرار التعامل معهم على هذا الأساس، بعدما أصبح النظام الذي قاتلوه جزءًا من الماضي، فيما باتت الجهات التي كانوا يقاتلون إلى جانبها جزءًا من السلطة الشرعية في سوريا.


وانتقد ما وصفه بـ"الانفصام" في أداء الدولة اللبنانية، لافتًا إلى أن ضباطًا كبارًا في الدولة اللبنانية يتواصلون بشكل رسمي مع هؤلاء الشبان اللبنانيين، الذين أصبح بعضهم ضباطًا في الدولة السورية، في وقت لا يزالون فيه ممنوعين من العودة إلى لبنان باعتبارهم مطلوبين أو متهمين بالإرهاب.


وكشف أن عدد الشبان الموجودين في سوريا والممنوعين عمليًا من دخول لبنان يتراوح بين 50 و70 شخصًا، موضحًا أن منعهم يستند إلى ملفات أو وثائق اتصال أو إخضاع موجودة لدى الأمن العام.


وقال إن هذه الملفات "مركبة"، معتبرًا أنها غير قانونية، ولا سيما أن ثلاث أو أربع حكومات لبنانية أصدرت قرارات تمنع التداول بهذه الملفات، مضيفًا أن الإشكالية لا تزال قائمة بسبب وجود بقايا من مرحلة نظام بشار الأسد ومن مرحلة سيطرة حزب الله على مؤسسات الدولة اللبنانية.


ولفت الأيوبي إلى أن هؤلاء الشبان يواجهون معاناة إنسانية كبيرة، إذ لا يستطيعون تسجيل أولادهم في لبنان أو زيارة أهلهم، معتبرًا أن حصول بعضهم على مراكز في الدولة السورية وتكريمهم هناك نتيجة جهودهم لا يلغي حقيقة أنهم لبنانيون، ومن حقهم الطبيعي العودة إلى بلدهم والالتقاء بأهلهم وذويهم.


وفي ما يتعلق بموقف الحكومة والعهد الحالي، رأى الأيوبي أن المطلوب اتخاذ قرار سياسي يعالج هذا الملف، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن هؤلاء الشبان لا يشملهم قانون العفو العام، معتبرًا أن عدم شمولهم بالعفو يمثل إشكالية إضافية.


وانتقد أداء النواب السنة في هذا الملف، معتبرًا أن معظمهم جرى "سحبهم" إلى ملف العفو وإجبارهم على التعامل معه، وقال إن هؤلاء النواب هم، بحسب تعبيره، من بقايا مرحلة نظام بشار الأسد ومن بقايا سيطرة حزب الله على الدولة، وإنهم متضررون من التغيير الذي حصل في سوريا ولا يريدون أن يمتد هذا التغيير إلى لبنان.


وأضاف أن هؤلاء النواب بقوا سنوات صامتين عن حقوق المظلومين في السجون اللبنانية، ولا سيما السنة منهم، معتبرًا أنهم يحاولون اليوم، بعدما نضجت الظروف الإقليمية والداخلية، التعامل مع هذا الملف ومواكبة المتغيرات، مؤكدًا أن النواب السنة "لن يركبوا الموجة"، بل سيضطرون إلى توقيع قانون العفو، معتبرًا أنه لا ينبغي أن يُنسب إليهم أي فضل في ذلك.


وفي ما يتعلق بالجهات التي تتولى متابعة قضية هؤلاء الشبان، قال الأيوبي إنه لا توجد جهة محددة تتولى الملف بشكل فعلي، مشيرًا إلى أنه، إلى جانب عدد من الإعلاميين، يعمل على إثارة القضية وتنبيه الرأي العام والمسؤولين إلى ضرورة وضع حد لهذا الواقع، مشددًا على أن استمرار حرمان هؤلاء الشبان من العودة إلى لبنان غير مقبول، سواء من الناحية الإنسانية أو الوطنية، مستشهدًا بملفات أخرى يجري التعامل معها من منطلق المصلحة الوطنية، وقال: إذا كنا نفكر في إعادة 5000 ممن يوصفون بالعملاء من فلسطين المحتلة، فهؤلاء الناس من حقهم أيضًا العودة إلى بلدهم.


ودعا الحكومة إلى إصدار قرار سياسي يستند إلى المصلحة الوطنية العليا، ويقضي بإنهاء الملاحقات القضائية، إذا كانت موجودة بحق هؤلاء الشبان، والسماح لهم بالعودة بصورة طبيعية إلى لبنان.


وحول دور المرجعيات السنية الروحية والسياسية، ولا سيما دار الفتوى، عبّر الأيوبي عن أسفه لما وصفه بغياب هذه المرجعيات عن متابعة القضية، معتبرًا أن غياب المرجعيات الدينية والسياسية أدى إلى العجز وإلى استمرار ما وصفه بالاضطهاد الذي يطال هؤلاء الشبان.


وقال إن المرجعيات، لو كانت تقوم بواجباتها كما يجب، لما وصل الوضع إلى ما هو عليه اليوم، لا داخل الدولة ولا خارجها، ولا إلى حالة الحرمان والتهميش التي تعاني منها هذه الفئة، داعيًا إلى معالجة القضية من منطلق إنساني ووطني يضع حدًا لاستمرار هذا الواقع.


وبين ملفات لا تزال عالقة وحقوق لم تجد طريقها إلى المعالجة، يبقى السؤال الأبرز: هل آن للدولة أن تطوي صفحة مرحلة انتهت، وأن تتعامل مع هؤلاء اللبنانيين بمنطق العدالة والمصلحة الوطنية، لا بمنطق الملفات التي ورثتها عن مرحلة الوصاية؟ فحق العودة إلى الوطن لا ينبغي أن يبقى رهينة حسابات سياسية وأمنية تجاوزها الزمن.