على الرغم من تشديد الإجراءات الأمنية على الحدود اللبنانية – السورية من الجانبين، لا تزال محاولات تهريب السلاح قائمة. ومؤخرًا، أعلن الجيش اللبناني ضبط صواريخ غراد من عيار 122 ملم مهرّبة من الأراضي السورية إلى لبنان، وتوقيف شخصين من أفراد شبكة التهريب.
ورغم أهمية هذه العملية وما تعكسه من قدرة الأجهزة الأمنية على كشف محاولات التهريب، فإن استمرار هذه المحاولات يؤكد أن ملف تهريب السلاح لا يزال حاضرًا، رغم الإجراءات المتخذة.
من هنا، يبرز التحدي أمام الدولتين في ضبط حدودهما ومكافحة شبكات التهريب، فيما تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بالنسبة إلى لبنان، في ظل استكماله جولات التفاوض في روما، ولا سيما ما يرتبط بتنفيذ اتفاق الإطار والالتزامات المتعلقة بحصرية السلاح بيد الدولة، ومنع وجود أي مجموعات مسلحة خارج مؤسساتها. فكيف سينعكس استمرار محاولات تهريب السلاح على صورة لبنان أمام المجتمعين الدولي والعربي، وعلى مدى الثقة بقدرة الدولة على فرض سلطتها؟
في هذا السياق، أكّد الصحافي جاد الأخوي أن ضبط صواريخ غراد مهرّبة من سوريا إلى لبنان يؤكد أن شبكات تهريب السلاح لم تنتهِ، حتى لو تغيّر شكلها وحجمها، لافتًا إلى أن الحدود اللبنانية – السورية شكلت، على مدى سنوات، ممرًا لهذه الشبكات بفعل طبيعتها الجغرافية وتعقيدات الواقع الأمني والسياسي، وأن ما نشهده اليوم هو محاولة منها للتكيّف مع المتغيرات الجديدة عبر العمل بسرّية أكبر.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن المشهد لم يعد كما كان في السنوات الماضية، سواء لناحية الضغط الأمني، أو التنسيق المتزايد بين الأجهزة، أو الوعي الرسمي بأن استمرار تهريب السلاح يشكل تهديدًا مباشرًا لسيادة الدولة والاستقرار الداخلي.
واعتبر الأخوي أن الجيش اللبناني أثبت قدرته على الحد من هذه الظاهرة من خلال العمليات الاستباقية وضبط شحنات وشبكات التهريب، إلا أن النجاح الكامل يتطلب استراتيجية متكاملة تقوم على تعزيز الانتشار على الحدود، واستخدام وسائل مراقبة حديثة، وتطوير التعاون الأمني مع الجانب السوري.
وأضاف أن التهريب ليس مجرد ملف عسكري، بل هو نتيجة سنوات من ضعف الدولة ووجود اقتصاد غير شرعي وشبكات نفوذ استفادت من الفوضى. لذلك، فإن المعالجة لا تقتصر على ملاحقة المهربين، بل تبدأ بإعادة تكريس سلطة الدولة على كامل أراضيها.
وبين الأخوي أن ضبط صواريخ غراد من قبل الجيش اللبناني لا يُعد مجرد إنجاز أمني، بل تذكيرًا بأن المعركة الأساسية في لبنان هي معركة حصرية قرار الدولة بالسلاح والأمن، مشددًا على أنه لا يمكن بناء دولة مستقرة إذا بقيت الحدود مفتوحة أمام نقل السلاح، أيًا كان مصدره أو الجهة المستفيدة منه.
وفي ما يتعلق بالانعكاسات الخارجية، اعتبر أن استمرار ضبط شحنات الأسلحة في هذه المرحلة الحساسة ستكون له تداعيات مباشرة على صورة لبنان، لأنه يأتي في وقت يراقب فيه المجتمع الدولي مدى جدية الدولة اللبنانية في تثبيت سيادتها وتطبيق مبدأ حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية. وأوضح أن كل عملية تهريب يتم كشفها تؤكد، من وجهة النظر الأميركية والدولية، أن الخطر لم ينتهِ، وأن هناك حاجة إلى آليات أكثر تشددًا لضمان عدم إعادة بناء أي قدرات عسكرية خارج إطار الدولة.
ومن هنا، اعتبر أن الضغوط السياسية والأمنية قد تتزايد على لبنان، ليس بهدف إضعافه، بل لدفعه إلى تنفيذ الالتزامات التي تعهد بها، ولا سيما ما يتعلق بتطبيق اتفاق الإطار وترسيخ سلطة الدولة.
وأضاف الأخوي أن إسرائيل ستنظر، بطبيعة الحال، إلى أي محاولة لإدخال أسلحة جديدة على أنها تهديد أمني مباشر، وقد تستخدم هذه الحوادث للمطالبة بضمانات أكبر أو لاتخاذ مواقف أكثر تشددًا في أي مسار تفاوضي مقبل، معتبرًا أن نجاح الجيش اللبناني في كشف هذه الشبكات يمكن أن يتحول إلى عنصر قوة للدولة، لأنه يثبت أن المؤسسات الرسمية قادرة على القيام بدورها متى توافر لها الدعم السياسي واللوجستي المطلوب.
وأشار إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل عمليات ضبط الشحنات من إجراءات أمنية منفصلة إلى مسار استراتيجي يثبت أن الدولة اللبنانية هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن والدفاع، لأن ذلك هو العامل الذي سيحدد مستوى الثقة الدولية بلبنان وقدرته على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الدولة.
وفي معرض حديثه عن المسؤوليات، شدد الأخوي على أن استمرار تهريب السلاح إلى لبنان يجب مقاربته من زاويتين: الأولى تتعلق بالجهات التي تنفذ عمليات التهريب، والثانية بالبيئة السياسية والأمنية التي سمحت تاريخيًا بوجود قنوات سلاح خارج إطار الدولة، مؤكدًا أنه لا يمكن تحميل طرف محدد مسؤولية أي شحنة ما لم تكشف التحقيقات الرسمية الجهة التي تقف خلفها، لكن لا يمكن أيضًا تجاهل أن ملف تهريب السلاح يرتبط، منذ سنوات، بإشكالية وجود سلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة اللبنانية.
وتابع أنه من الطبيعي أن يُعاد ربط هذا الملف بسلاح حزب الله، باعتباره الجهة اللبنانية الأساسية التي تمتلك ترسانة عسكرية خارج إطار الجيش اللبناني، ولأن النقاش حول مستقبل السلاح غير الشرعي يشكل محورًا أساسيًا في المرحلة الحالية. إلا أن الموضوعية تقتضي انتظار نتائج التحقيق في كل حادثة، وعدم إصدار أحكام مسبقة قبل معرفة الجهة المسؤولة عن الشحنة المضبوطة، لافتًا إلى أن المسؤولية المباشرة عن أي عملية تهريب يجب أن تثبت بالأدلة، لكن سياسيًا لا يمكن فصل هذا الملف عن مسؤولية الحزب الأوسع في تكريس واقع وجود قوة عسكرية مستقلة عن الدولة، لأن استمرار هذا الواقع يخلق بيئة تجعل لبنان أكثر عرضة لتعدد مصادر القرار الأمني، ويفتح الباب أمام محاولات إعادة بناء قدرات عسكرية خارج المؤسسات الشرعية.
وبيّن الأخوي أن هذا الملف قد يزيد، داخليًا، من حدة الانقسام حول مستقبل السلاح، وقد يدفع القوى السياسية المطالبة بتطبيق الدستور والقرارات الدولية إلى التشديد على ضرورة إنهاء أي ازدواجية في السلطة الأمنية، فيما قد يُستخدم، خارجيًا، كدليل إضافي لدى الولايات المتحدة ودول أخرى على ضرورة منع إعادة تسليح أي جهة خارج الدولة.
وخلص إلى أن القضية الأساسية لا تكمن فقط في معرفة من أدخل هذه الصواريخ أو لمن كانت موجهة، بل في قدرة لبنان على الانتقال إلى مرحلة يصبح فيها الجيش اللبناني وحده صاحب القرار العسكري والأمني، باعتبار أن ذلك سيحدد مستقبل الاستقرار والعلاقات الدولية للبنان.
في المحصلة، ورغم أهمية العملية التي نفذها الجيش اللبناني، يبقى ملف تهريب السلاح نقطة حساسة في هذه المرحلة، خصوصًا أن لبنان يواصل جولات مفاوضاته في روما ويسعى إلى تثبيت التزاماته أمام المجتمع الدولي. فالمتابعة لن تكون فقط لعمليات الضبط، بل أيضًا لكيفية تعامل الدولة مع هذا الملف، وقدرتها على ضبط حدودها ومنع أي محاولات لإدخال السلاح خارج إطارها.