بعد أشهر على حملة الإساءات التي طالت البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، وبعد الشكوى الجزائية التي قدمت بحق المتورطين، بدأ الملف يسجل أولى التوقيفات بعد فترة من المتابعة القضائية. ومع هذا التطور، عاد الملف إلى الواجهة، لا سيما وأنه يأتي بعد فترة طويلة من المطالبة بملاحقة المسؤولين عن هذه الإساءات وعدم ترك القضية من دون محاسبة.
وبالتزامن مع توقيف الصحافي حسن عليق على خلفية منشور اعتبر مسيئا للمملكة العربية السعودية، عاد الحديث عن طريقة تعاطي القضاء مع قضايا الإساءة والتحريض، وعن مدى جدية هذه الإجراءات، وما إذا كانت ستستكمل حتى النهاية، أم ستسلك المسار نفسه الذي انتهت إليه ملفات مشابهة في السابق.
في هذا السياق، أكد رئيس حزب حركة التغيير المحامي إيلي محفوض أن ما يشهده لبنان اليوم هو مسار قضائي يجب تشجيعه ودعمه، لأنه يعيد التأكيد على أن الدولة موجودة، وأن مؤسساتها قادرة على القيام بدورها في حماية القانون وهيبة الدولة والمقامات الوطنية والروحية، إضافة إلى حماية العلاقات بين لبنان والدول الشقيقة، مشيرا إلى أن الرهان كان ولا يزال على القضاء. وأوضح أن هذا الرهان لم يكن يوما على الشارع أو على منطق القوة أو على أي حماية سياسية، بل على اعتبار القضاء الملاذ الطبيعي لكل من يريد دولة تحكمها المؤسسات، مشددا على أن القانون يجب أن يكون المرجعية الوحيدة في محاسبة كل من يتجاوز حدوده، بعيدا من أي اعتبار سياسي أو حزبي أو طائفي.
ولفت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن المطلوب اليوم هو استمرار هذا المسار، وأن يكون هناك تطبيق واضح وثابت للقانون على كل من يرتكب فعلا يعاقب عليه القانون، معتبرا أن هذه الخطوات، عندما تأتي ضمن إطار القانون والدستور، هي خطوات إيجابية تعيد إلى اللبنانيين شيئا من الثقة بمؤسساتهم، لأن هيبة الدولة لا تستعاد بالشعارات، بل عندما يشعر المواطن بأن هناك قضاء يتحرك، وأن القانون يطال الجميع من دون استثناء. وقال إن المطلوب هو دولة لا ترهبها الأصوات المرتفعة، ولا تتردد أمام النفوذ السياسي، ولا تسمح لأي كان بأن يجعل من لبنان ساحة مفتوحة للتحريض والإساءة والتهديد.
وفي ما يتعلق بمسار التوقيفات، أكد محفوض أن التوقيف هو بداية المسار القضائي وليس نهايته، مشيرا إلى أن المطلوب ليس قضاء يتحرك في قضية ثم يتوقف، بل قضاء يكرس قاعدة واضحة بأن كل من يتجاوز القانون يخضع للقانون، وكل من يرتكب فعلا يستوجب المساءلة يتحمل مسؤولية فعله وفق الأصول الدستورية والقانونية. وأوضح أن المحاسبة الحقيقية لا تكون بالانتقائية، بل بالاستمرارية، داعيا إلى البناء على ما بدأ، وتعزيز ثقة الناس بالقضاء، وعدم السماح بأن يعود الخطاب الذي يتضمن تحريضا أو إساءة أو تهديدا وكأن شيئا لم يكن.
كما شدد على أن المطلوب أن يصبح احترام القانون ثقافة عامة، وأن يعرف الجميع أن الدولة حاضرة وأن مؤسساتها لن تتراجع عن ممارسة صلاحياتها، معتبرا أن الردع الحقيقي يبدأ عندما يدرك كل شخص أن القانون ليس مجرد نصوص على الورق، بل قوة فعلية تحمي الدولة والمجتمع.
وفي ما يتعلق بإمكان وصول المحاسبة إلى شخصيات سياسية وحزبية، رأى محفوض أن هذه الخطوات يمكن أن تؤسس لمرحلة جديدة عنوانها أن القانون فوق الجميع، وأن لا أحد يمتلك حصانة سياسية أو حزبية في مواجهة القانون، موضحا أنه يطالب بهذا الأمر منذ سنوات. وأشار إلى أنه في عز قوة حزب الله، وفي مرحلة كان فيها كثيرون يخشون من مواجهة نفوذه، تقدم بشكوى ضد الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله، ولم يخف ولم يتراجع، لأن قناعته كانت أن الدولة يجب أن تكون أقوى من أي حزب، وأن القضاء يجب أن يكون أقوى من أي نفوذ.
وشدد على أن المطلوب ليس محاسبة على أساس الانتماء، بل على أساس الفعل، موضحا أن القضية ليست استهدافا سياسيا لأي جهة، بل تطبيقا للقانون على الجميع. وقال إن من يرتكب فعلا يجرمه القانون يجب أن يتحمل مسؤوليته أمام القضاء، أما إذا لم يكن هناك جرم، فليكن القضاء هو من يحسم الأمر.
أما في ملف الادعاء على الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، فأكد محفوض أن القضاء لا ينظر إلى الأشخاص من خلال مواقعهم الحزبية، بل من خلال القانون، وأن التقدم بالادعاء هو ممارسة لحق دستوري وقانوني، بانتظار أن يأخذ الملف مساره الطبيعي أمام القضاء، موضحا أن التحقيق لا يعني الإدانة، بل هو الطريق الذي يكشف الحقيقة ويضع الأمور في نصابها القانوني. وأكد أنه ينتظر إحالة نعيم قاسم إلى التحقيق وفق الأصول، كما ينتظر أن يصل القضاء إلى كل ملف يستوجب التحقيق، أكان صاحبه شخصية سياسية أو حزبية أو أي مواطن آخر.
وبيّن أن هذه ليست معركة سياسية ضد شخص أو حزب، بل هي معركة دولة، مشددا على أن لبنان لا يستطيع بناء دولة حقيقية إذا بقيت هناك شخصيات أو جهات خارج نطاق القانون. وأكد أن استعادة لبنان دولة سيدة ومستقلة يحكمها الدستور تبدأ من ترسيخ قاعدة أن القانون واحد، وأن القضاء لا يفرق بين مواطن وآخر إلا وفق ما ينص عليه القانون.
في نهاية المطاف، لا يبدو أن التوقيفات وحدها كافية للحكم على مسار هذه القضية، إذ سبق أن شهدت ملفات مشابهة توقيفات لم تستكمل حتى نهايتها، قبل أن يعود أصحابها إلى الخطاب نفسه. لذلك، يبقى الحكم رهنا بما ستؤول إليه التحقيقات، وما إذا كان هذا الملف سيستكمل حتى النهاية، ليؤسس لنهج قضائي ثابت في التعامل مع قضايا الإساءة والتحريض، أم أنه سيلقى مصير ملفات سابقة.