ما إن انطلقت أولى جلسات المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المباشرة في واشنطن في 14 نيسان 2026، برعاية الولايات المتحدة، حتى عاد الحديث عن إمكان التوصل إلى سلام بين البلدين ينهي عقودًا من الصراع العسكري وما رافقها من اجتياحات واعتداءات واحتلالات إسرائيلية متكررة لأراضٍ لبنانية، كان آخرها استمرار الاحتلال الإسرائيلي لعدد من المناطق في جنوب لبنان.
ولم يقتصر النقاش على احتمالات التوصل إلى اتفاق سلام، بل تمدد ليشمل طرح إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، الذي يجرم التعامل معها، باعتبار أن أي اتفاق سلام شامل قد يفرض إعادة النظر في هذا القانون بما ينسجم مع واقع العلاقات الجديدة بين الجانبين.
ويطرح هذا المسار جملةً من التساؤلات حول مدى واقعية هذا الطرح وإمكان تطبيقه في المرحلة الراهنة، وما إذا كانت الظروف السياسية قد أصبحت مؤاتية للسير به، فضلًا عن الآليات الدستورية والقانونية التي يتعين اتباعها في حال اتخاذ قرار بالمضي نحو إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل.
وفي هذا السياق، أكد الخبير الدستوري والقانوني سعيد مالك أن قانون مقاطعة إسرائيل لا يزال قانونًا نافذًا وساريًا حتى اليوم، مشيرًا إلى أن أي توجه لإلغائه يقتضي سلوك المسار الدستوري والتشريعي المنصوص عليه في القوانين المرعية الإجراء.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن إلغاء هذا القانون يتم بإحدى طريقتين: إما من خلال مشروع قانون تحيله الحكومة إلى مجلس النواب، وإما عبر اقتراح قانون يتقدم به نائب أو أكثر إلى المجلس النيابي، بهدف إلغاء القانون وإنهاء مفاعيله القانونية.
وأضاف مالك أن الإجراءات التشريعية تقضي، بعد تقديم مشروع القانون أو اقتراحه، بإحالته إلى اللجان النيابية المشتركة المختصة لدراسته وإعداد تقرير بشأنه، على أن يُحال بعد ذلك إلى الهيئة العامة لمجلس النواب، التي يعود إليها اتخاذ القرار النهائي بشأن إقرار إلغاء القانون أو الإبقاء عليه.
وردًا على سؤال حول ما إذا كانت الظروف السياسية مؤاتية اليوم لإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل، شدد مالك على أن القرار، في نهاية المطاف، هو قرار سياسي يعود إلى مجلس النواب، الذي يملك وحده صلاحية حسم مصير هذا القانون، سواء بالإبقاء عليه أو إلغائه.
وفي ضوء التعقيدات الدستورية والتشريعية، إلى جانب الاعتبارات السياسية والانقسامات الداخلية، يبدو أن إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل لا يزال بعيدًا عن التحقق في المدى المنظور، رغم المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية الجارية برعاية أميركية. فإلى جانب المسار القانوني الطويل، الذي يستوجب المرور بالحكومة أو المجلس النيابي، ثم اللجان النيابية المختصة، فالهيئة العامة، يبقى العامل السياسي العنصر الحاسم في تقرير مصير هذا القانون.
كما أن أي خطوة من هذا النوع ترتبط بطبيعة العلاقة المستقبلية بين لبنان وإسرائيل، وبإمكان التوصل إلى اتفاق سلام شامل يحظى بإجماع داخلي، وهو أمر يبدو غير ممكن راهنًا في ظل الانقسام السياسي القائم. لذلك، يرى كثيرون أن الظروف الحالية لا تزال بعيدة عن توفير الأرضية اللازمة لفتح هذا الملف، فيما يذهب آخرون إلى اعتبار أن إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل في المرحلة الراهنة يكاد يكون مستحيلًا في ظل موازين القوى والانقسامات السياسية القائمة.