لا تزال طرابلس ترزح تحت وطأة ملف الأبنية المتصدعة، فبعد الحديث عن وجود نحو 600 مبنى بحاجة إلى الترميم أو التدعيم، عاد هذا الملف ليثير قلقا واسعا بين الأهالي، خصوصا بعدما شهدت المدينة خلال الأشهر الماضية انهيارات في عدد من المباني أودت بحياة عدد من المواطنين، وأعادت إلى الواجهة المخاوف من تكرار هذه المآسي.
وبين أرقام متداولة وتصنيفات مختلفة لحالة هذه الأبنية، يبقى السؤال حول حقيقة واقع المباني المتصدعة في طرابلس، وما إذا كانت جميعها تشكل خطرا على السكان، أم أن درجات الخطورة تختلف بين مبنى وآخر، ومن يتحمل مسؤولية معالجة هذا الملف قبل وقوع كارثة جديدة؟
في هذا الإطار، أوضح عضو بلدية طرابلس ورئيس اللجنة الهندسية وعضو بنقابة المهندسين في طرابلس وأمين السر فيها المهندس مصطفى فخر الدين أن الحديث عن وجود نحو 600 مبنى في المدينة أثار حالة من القلق، إلا أن الواقع يظهر أن العدد يفوق ذلك، مشيرا إلى أن اللجنة المنبثقة عن نقابة المهندسين وبلدية طرابلس، وبمساعدة الصليب الأحمر، شكلت فريقا لتلقي الشكاوى عبر الخط الساخن، وتلقت نحو 850 شكوى، يضاف إليها الشكاوى التي وردت مباشرة إلى بلدية طرابلس.
وأكد عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن اللجنة كشفت ميدانيا على نحو 850 مبنى، لافتا إلى أن هذه المباني ليست جميعها في الدرجة نفسها من الخطورة، وإنما تتفاوت بين مبان تحتاج إلى ترميم، وأخرى إلى تدعيم، وأخرى تستوجب الإخلاء. وأوضح أن المباني التي تحتاج إلى ترميم لا تشكل خطرا على الهيكل الإنشائي الأساسي، وإنما تكون المشكلة في أجزاء خارجية، كاهتراء باطون الشرفات أو تفسخ بعض الأدراج نتيجة تسرب المياه والرطوبة، وهي أضرار لا تؤثر على سلامة المبنى الأساسية، فيما المباني التي تحتاج إلى تدعيم، تظهر فيها تشققات أو شروخ أو أعطال في بعض الأعمدة الإنشائية، ما يستدعي تنفيذ أعمال تدعيم، سواء عبر إنشاء أعمدة إضافية أو أي وسيلة هندسية أخرى تهدف إلى تقوية الهيكل الأساسي للمبنى.
وقال فخر الدين إن الفئة الثالثة هي المباني التي تشكل خطرا فعليا على السلامة العامة، وفي هذه الحالة تطلب اللجنة إخلاء المبنى، فيما تتولى بلدية طرابلس تنفيذ قرار الإخلاء. بعد ذلك، تكشف الهيئة العليا للإغاثة على المبنى، وتحصر أسماء السكان المقيمين فيه، ليصار إلى منحهم بدل إيواء لمدة سنة كاملة، يدفع على أربع دفعات، بحيث يتوقف صرف هذا البدل في حال تمكن السكان خلال تلك الفترة من تدعيم المبنى أو ترميمه والعودة إليه، مشيرا إلى أن الهيئة العليا للإغاثة تضع تقريرها الفني وتحدد ما إذا كان المبنى يحتاج إلى تدعيم أو إلى هدم، إلا أن هذا يبقى رأيا فنيا وليس قرارا نهائيا، إذ يعود الملف إلى البلدية التي تدرس المعطيات وتتخذ موقفها.
ولفت إلى أن قرار الهدم يطرح عندما تكون كلفة تدعيم المبنى أعلى من قيمته الفعلية، أو عندما يكون المبنى قديما جدا ولا يضمن استمرار سلامته لسنوات طويلة حتى بعد تدعيمه، موضحا أن البلدية تفسح المجال أمام المالكين لتقديم تقرير من مهندس إنشائي يتعهد، على مسؤوليته الشخصية وتحت إشرافه، بتنفيذ أعمال التدعيم وفق الخرائط والدراسات المطلوبة، وبعد تسجيلها لدى نقابة المهندسين وبلدية طرابلس، ما قد يؤدي إلى وقف قرار الهدم. أما إذا صدر القرار النهائي بالهدم، فلا يعود بالإمكان التراجع عنه.
وأشار فخر الدين إلى أن بعض السكان لا يتحركون إلا بعد صدور قرار الهدم، فيطالبون بمنحهم مهلة للترميم، فتمنح لهم فرصة قصيرة، إلا أن ارتفاع الكلفة وصعوبة اتفاق المالكين في ما بينهم يؤديان غالبا إلى استمرار المشكلة، لافتا إلى أن كل المباني التي تحتاج إلى ترميم أو تدعيم تشكل بدرجات متفاوتة خطرا على السلامة العامة، لأن حتى الأجزاء الخارجية المتضررة، كالشرفات أو القطع الإسمنتية المتآكلة، قد تسقط على المارة أو السكان. وشدد على أن مسؤولية الترميم أو التدعيم تقع على عاتق أصحاب المباني، موضحا أن البلدية لا يحق لها قانونا إنفاق أموالها على أملاك خاصة وليس لديها القدرة على ذلك، وبالتالي تبقى مسؤولية تنفيذ هذه الأعمال على المالكين.
وكشف أنه لا توجد حتى اليوم خطة متكاملة من الدولة لمعالجة هذا الملف، لافتا إلى أن الحديث سابقا تناول عشرات المباني بين التدعيم والهدم، إلا أن التطورات التي شهدها لبنان، لا سيما الحرب الأخيرة، دفعت الأولوية نحو تأمين بدلات الإيواء للعائلات المهددة، بدل الانتقال إلى تنفيذ خطة شاملة لمعالجة الأبنية المتصدعة.
وعن أسباب استمرار هذا الملف منذ سنوات، اعتبر فخر الدين أن الأوضاع التي شهدها لبنان منذ العام 2011، من أحداث أمنية واشتباكات في مناطق كجبل محسن وباب التبانة، أسهمت في تضرر عدد كبير من المباني، كاشفا أنه سبق أن خصصت مساعدات مالية لترميم الأبنية، سواء في عهد الرئيس الشهيد رفيق الحريري خلال الأعوام 2012 و2013 و2016، إلا أن عددا من المستفيدين لم يستخدم هذه الأموال في تدعيم منازلهم، بل أنفقها في مجالات أخرى، ما أدى إلى تفاقم أوضاع الأبنية مع مرور الوقت.
ورأى أن معالجة هذا الملف لا ترتبط بعامل واحد، بل تتداخل فيها الأزمة الاقتصادية، وغياب التمويل في المرحلة الحالية، وارتفاع بدلات الإيجار، وصعوبة إخلاء أعداد كبيرة من السكان، إلى جانب غياب حس المسؤولية لدى بعض المالكين الذين اهتموا بتجديد منازلهم من الداخل، فيما بقيت الهياكل الإنشائية والأعمدة الخارجية من دون معالجة، الأمر الذي جعل أزمة الأبنية المتصدعة تتفاقم عاما بعد عام.
في الختام، يبقى ملف الأبنية المتصدعة في طرابلس مرتبطا بمعادلة معقدة تجمع بين واقع إنشائي يحتاج إلى تدخل، وأزمة اقتصادية تحد من قدرة السكان على المعالجة، وغياب خطة شاملة من الدولة. وبين محاولات تصنيف الأبنية وتحديد درجات خطورتها، تبقى الأولوية في الانتقال من مرحلة التحذير والتشخيص إلى خطوات عملية تضمن سلامة السكان، خصوصا وأن التأخير في معالجة هذا الملف يزيد من حجم المخاطر ويضاعف كلفة الحلول لاحقا.