أثار اتفاق الإطار الموقّع بين لبنان وإسرائيل بضمانة أميركية موجة واسعة من النقاشات السياسية والقانونية، في ظل تباين الآراء حول طبيعته القانونية، وما إذا كان يُعد معاهدة دولية ملزمة أم مجرد إطار تفاوضي يمهّد لمرحلة جديدة من المفاوضات. كما برزت تساؤلات بشأن عدد من بنوده وصياغاته، ولا سيما ما يتعلق بالإجراءات الدستورية، والمصطلحات المستخدمة، وملف التعويضات، إلى جانب قضايا أخرى رأى قانونيون ومحللون أنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الإيضاح.
وفي هذا السياق، قال المحامي أمين محمد بشير إن اتفاق الإطار الموقع بين لبنان وإسرائيل بضمانة أميركية يثير جدلًا قانونيًا يتمحور حول طبيعته، وما إذا كان يُعد معاهدة دولية أم مجرد إطار تفاوضي.
وأوضح بشير، عبر منصة "بالعربي"، أن النقطة الأساسية التي شكّلت بداية الجدل القانوني تتمثل في التساؤل حول ما إذا كان الاتفاق يرقى إلى مستوى المعاهدة، أم يقتصر على كونه إطارًا تفاوضيًا.
وأضاف أن التوضيح الصادر عن رئيس الجمهورية جوزاف عون حسم هذه المسألة، بعدما أكد أن الاتفاق ليس إعلانًا لإنهاء حالة الحرب، وإنما إطار تفاوضي يشكل نقطة انطلاق للمفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية حول كيفية إنهاء هذه الحرب.
وأشار إلى أن هذا التوضيح أجاب أيضًا عن الجدل الذي دار حول ضرورة عرض الاتفاق على مجلس الوزراء ثم مجلس النواب، موضحًا أنه بما أن الاتفاق لا يُعد معاهدة ملزمة، فإنه لا يخضع للإجراءات الدستورية الخاصة بالمعاهدات، والتي تستوجب إحالته إلى مجلس الوزراء ثم إلى مجلس النواب للتصويت عليه، معتبرًا أن رئيس الجمهورية تدارك الإشكالية القانونية وقدّم توضيحًا حاسمًا في هذا المجال.
وأضاف بشير أن اتفاق الإطار، بطبيعته، لا يتضمن التزامات قانونية ملزمة كما هو الحال في المعاهدات، بل يفتح الباب أمام مناقشة كيفية تطبيق ما قد يُتفق عليه لاحقًا، وهو ما يفسر الحديث عن "مناطق تجريبية"، باعتبارها مناطق قد تنجح أو تفشل. وأكد أن هذا النوع من الاتفاقات لا يتضمن التزامات واضحة أو مهلًا زمنية محددة.
وأوضح أن الانتقادات التي طالت الاتفاق بسبب غياب جدول زمني للتنفيذ أو للانسحاب لا تستند، برأيه، إلى قراءة دقيقة لطبيعته، لأنه إطار تفاوضي وتجريبي، وليس اتفاقًا نهائيًا أو إعلانًا رسميًا بإنهاء حالة الحرب. وبالتالي، ليس من الضروري أن يتضمن مواعيد زمنية ملزمة، معتبرًا أن هذه النقطة أيضًا جرى توضيحها.
وأكد بشير أن جوهر الاتفاق يتمثل في تضمينه إعلان نوايا، معتبرًا أن هذا هو لبّ الاتفاق، إذ يتضمن إعلانًا بعدم وجود نوايا عدائية بين إسرائيل ولبنان، كما أنه، وفق قراءته، يتضمن للمرة الأولى إعلانًا بعدم وجود أطماع إسرائيلية في لبنان. وفي المقابل، عبّر لبنان عن موقفه الرسمي بعيدًا عن موقف ما وصفه بـ"حزب الله"، مؤكدًا أن هذا الإعلان هو جوهر الاتفاق.
وتابع أن من أبرز الملاحظات التي أُثيرت حول الاتفاق استخدام تعبير "إعادة الانتشار" بدلًا من "الانسحاب" في ما يتعلق بالقوات الإسرائيلية، معتبرًا أن اختيار المصطلحات في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية يحمل دلالات قانونية وسياسية مهمة.
وأوضح أن تعبير "إعادة الانتشار" يعيد إلى الأذهان التجربة اللبنانية خلال الوجود السوري، حين كان يُستخدم هذا المصطلح بدلًا من "الانسحاب"، وهو ما ترك أثرًا سلبيًا في الذاكرة اللبنانية. واعتبر أن استخدام المصطلح نفسه في الاتفاق الحالي قد يُفهم على أنه قبول ببقاء الجيش الإسرائيلي وإعادة تموضعه، بدلًا من انسحابه الكامل من الأراضي اللبنانية.
وأضاف أن من أبرز المآخذ التي أُثيرت أيضًا البند الثالث عشر، المتعلق بعدم تقدم لبنان بأي دعاوى أو مطالبات بالتعويض ضد إسرائيل، مشيرًا إلى أن هذا البند أثار انتقادات واسعة، ولا سيما تجاه رئيس الحكومة نواف سلام، بالنظر إلى خلفيته القانونية ورئاسته السابقة لمحكمة العدل الدولية.
وأوضح أن التسويات الودية، من الناحية القانونية، تقوم عادة على مبدأ براءة الذمة والتنازل المتبادل عن الدعاوى بين الأطراف المتخاصمة، معتبرًا أن هذا الأمر طبيعي عند التوصل إلى مصالحة أو تسوية. إلا أن هذا البند فُهم من قبل البعض على أنه تنازل عن حقوق لبنان وحقوق المتضررين في المطالبة بالتعويض أمام المحاكم الدولية.
وأشار بشير إلى ملاحظة أخرى اعتبرها أساسية، تتمثل في غياب أي إشارة إلى الفلسطينيين المقيمين في لبنان أو إلى حق العودة، متسائلًا عن مصيرهم في حال التوصل إلى اتفاق بين لبنان وإسرائيل، وما إذا كان ذلك قد يفتح الباب أمام إسقاط حق العودة أو تسوية أوضاعهم، أو حتى توطينهم.
وأضاف أن الاتفاق لم يتطرق إلى هذه القضية، معتبرًا أن هذا الغياب قد يخلق إشكاليات قانونية وسياسية مستقبلًا، إذ إن أي اتفاق نهائي مع إسرائيل سيطرح تلقائيًا تساؤلات حول وضع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ولا سيما في ظل عدم وجود نص واضح يعالج هذه المسألة ضمن الاتفاق.
وبين تباين القراءات القانونية واختلاف المواقف السياسية، لا يزال اتفاق الإطار يثير نقاشًا واسعًا حول طبيعته القانونية وما قد يترتب عليه من انعكاسات دستورية وسياسية. وفي انتظار ما ستفضي إليه المفاوضات المقبلة، تبقى الكثير من الأسئلة المطروحة اليوم رهن ما ستكشفه المرحلة المقبلة، وما إذا كان هذا الاتفاق سيبقى إطارًا تفاوضيًا أم سيتحول إلى اتفاق نهائي يحدد الالتزامات والحقوق بصورة واضحة.