June 25, 2026   Beirut  °C
فن

جورج خباز: لبنان مصدر إلهامي الدائم.. والوطن هو البيت

تعود مسرحية "خيال صحرا" للكاتب والمخرج والممثل جورج خباز، بمشاركة النجم عادل كرم، إلى خشبة مسرح كازينو لبنان في عرض أخير يُختتم هذا الصيف، بين 23 تموز و23 آب، في محطة تُعدّ الوداع الأخير لهذا العمل الذي لاقى نجاحا واسعا منذ انطلاقه.

وتبرز المسرحية بقدرتها على الجمع بين العمق الفلسفي والكوميديا الذكية، في مزيج يلامس الواقع الإنساني بحدة وذكاء، ويجعل منها واحدة من أبرز التجارب المسرحية اللبنانية التي جمعت بين الضحك والتأمل وحققت حضورا لافتا على مستوى الجمهور والنقد.

وفي هذا السياق، أكد الكاتب والممثل والمخرج جورج خباز أن مسرحية "خيال صحرا" التي انطلقت في صيف في العام 2024 حققت نجاحا كبيرا ولاقت محبة واسعة من الجمهور، ما دفع فريق العمل إلى تجديد عروضها بشكل دوري استجابة للطلب المستمر عليها، موضحا أن الخطة منذ البداية كانت تقوم على تقديم العروض خلال الأعياد، وتحديدا في عيد الميلاد ورأس السنة، إضافة إلى موسم صيفي سنوي، وهو النهج الذي استمر منذ العام 2024.


وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن هذا الشهر يُعدّ الشهر الأخير للعروض في لبنان، لافتا إلى أن الإقبال على العمل لا يزال مستمرا، ما دفع الفريق إلى اتخاذ قرار بإنهاء مواسم "خيال صحرا".


وأوضح خباز أن المسرح ضرورة وحاجة إنسانية وجماعية ملحة، ومنبر تواصل وتفاعل إنساني عميق، تزداد أهميته في ظل الانقسامات التي يعيشها الوطن. وقال إن المسرح يُسهم في توحيد الناس، على الأقل من خلال توحيد المشاعر والتساؤلات والصراعات والجدليات المشتركة. وأكد أن هذا الدور كان الدافع الأساسي للإصرار على تقديم هذا العمل المسرحي أو إعادة عرضه.


وعن دور المسرح في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها اللبنانيون، شدد على أن المسرح منبر تواصلي وتفاعلي يوحّد مشاعر الناس، ويدفعهم إلى البحث عن القواسم المشتركة في عمق النفس البشرية، معتبرا أن هذه الحاجة تزداد ضرورة كلما اشتدّ الوجع وتفاقم الألم، إذ غالبا ما يقابلهما نهضة فنية موازية، لأن الإنسان يصبح أكثر حاجة إلى فضاء حر للتعبير.


وقال خباز إن المسرح يشكّل مساحة واسعة للتعبير الحر، تتيح للناس الإفصاح عن هواجسهم ومشاكلهم وصراعاتهم وتناقضاتهم. ورأى أنه كلما تفاقمت الأزمات، ازدادت أهمية المسرح، وازداد إقبال الناس عليه للجلوس أمام "مرآة المجتمع" الصادقة، التي تعكس الواقع وتدفع إلى محاكاته والتفاعل معه بطريقة أو بأخرى.


ورفض اعتبار الفن والثقافة من الكماليات، مؤكدا أن المسرح لم يكن يوما ترفا، حتى في أصعب الظروف والحروب. ولفت إلى أن للمسرح ثلاثة أبعاد أساسية: البعد الترفيهي الذي يمنح الناس فسحة من الراحة، والبعد العاطفي الذي يتيح لهم التفاعل مع ذواتهم ومع الآخرين، والبعد الفكري الذي يحفّز التفكير ويضيء القضايا الإنسانية بعمق وشفافية.


وأوضح خباز أن المسرح يُعد غذاء روحيا ونفسيا وفكريا وعاطفيا، وهو حاجة ملحة لا يمكن الاستغناء عنها في حياة الإنسان، لما يوفره من مساحة للتأمل والتعبير والتوازن الداخلي.


وعن حلمه الأكبر، قال إن أمنيته الدائمة هي أن يعيش لبنان بسلام وأن يسوده التآخي بين أبنائه، معتبرا أن هذا الحلم ليس فرديا بل هو حلم جماعي يتشارك فيه الجميع، ويحمله منذ زمن طويل.


وشدد خباز على أن هذا الحلم ينعكس باستمرار في أعماله، حيث يتكرر بأشكال تعبيرية مختلفة، لافتا إلى أن الاستمرارية في تقديم الأعمال الفنية، ونقل الفن اللبناني إلى العالم عبر السينما والمسرح والتلفزيون، تبقى ضرورة أساسية، لما تمثله الثقافة اللبنانية من قيمة تستحق أن تكتشف وتقدم بالصورة الأكثر صدقا وعمقا.


وفي حديثه عن علاقته بلبنان، أوضح أن الوطن بالنسبة إليه هو "البيت"، مشيرا إلى عبارة باللغة الإنجليزية يحبها كثيرا تقول: “home is everything”، أي إن "المنزل هو كل شيء".


ورأى خباز أن المنزل لا يقتصر على كونه مكانا ماديا، بل يضم العائلة والأصدقاء والتاريخ والذكريات والعلاقات، إضافة إلى تكوين ذهني وثقافي مرتبط ارتباطا وثيقا بهذه الجغرافيا وهذا الوطن. وقال إنه لا يستطيع فصل نفسه عن لبنان، لأنه يشكّل جزءا أساسيا من تكوينه، وسبب ما وصل إليه، ومصدر إلهامه الدائم، مع إيمانه وأمله المستمرين بإمكانية الوصول إلى أماكن أفضل، وهو ما يسعى إلى التعبير عنه من خلال أعماله الفنية.


وأشار إلى أن كل فرد يحاول بطريقته زرع الأمل والعمل على ترسيخه في الواقع، وهو ما يسعى هو أيضا إلى تجسيده في أعماله المسرحية، لافتا إلى أن المسرح الذي يقدّمه يجمع بين المضحك والمبكي، لأنه يعكس عبثية الحياة. وأكد أنه يركّز على الكوميديا السوداء وفاء لمجتمعه، كونها الأقرب إلى الواقع اللبناني والأكثر تعبيرا عن الوجه اللبناني الذي يتأرجح بين الدموع والابتسامة؛ ابتسامة تختصر إرادة الحياة والتشبث بالأمل، ودمعة تعكس قسوة الظروف والتحديات.


وقال خباز إن هذا التناقض هو ما يدفعه إلى نقل هذه الصراعات والجدليات الداخلية والخارجية بصدق عبر المسرح والسينما والتلفزيون، لافتا إلى أن إصراره على البقاء والعمل في لبنان نابع من إيمانه بالوطن وبشعبه، الذي لا يزال يحمل الكثير من الخير والإنسانية.


وأشار إلى أن التجارب، خصوصا الحروب الأخيرة، أثبتت وجود هذا الجانب الإنساني، على الرغم بعض الاستثناءات، مؤكدا أن كثيرا من الناس قدّموا الدعم واستقبلوا بعضهم البعض وساهموا في تجاوز الأزمات. وعبّر عن إيمانه بأن الخير قادر، مع مرور الوقت، على أن يغلب الشر أو على الأقل يحافظ على توازن معه.


وفي حال طُلب منه التحدث باسم اللبنانيين خلال دقيقة واحدة، أوضح خباز أنه لا يعتبر نفسه مخولا للحديث باسم الجميع، بل يعبّر عن رأيه الشخصي وما يتمناه لوطنه وأهله، مشددا على أن أمنيته الأساسية أن يُنظر إلى الناس في لبنان كأفراد أولا، كبشر، قبل أي انتماء أو عنوان، بعيدا عن التصنيفات الطائفية أو المذهبية أو الحزبية أو العقائدية التي كثيرا ما تتحول إلى حواجز بين الناس بدل أن تكون اختلافات طبيعية ضمن مجتمع واحد.


وتحدث عن أهمية الإنسانية كقاعدة للعلاقة بين الناس، وضرورة احترام حرية الآخر، لأن الحرية لا تكتمل إلا عندما تقف عند حدود عدم المساس بحرية الآخرين وحقوقهم، مشيرا إلى أن حرية التعبير والسلوك قيمة أساسية لكنها ترتبط دائما بالمسؤولية تجاه المجتمع والآخر.


كما دعا خباز إلى تجاوز منطق التقوقع داخل الجماعات المغلقة، حيث يُختزل الإنسان بانتمائه ويُفقد حضوره كفرد مستقل، لافتا إلى أن النظر إلى الآخر كجزء من جماعة فقط يضعف إمكانية التواصل الحقيقي بين الناس ويمنع بناء مساحة مشتركة.


وفي العمق، رأى أن العودة إلى جوهر القيم الإنسانية التي تحملها الأديان قد تشكّل مدخلا مهما للوصول إلى مستوى أعمق من الإنسانية، حيث يتعامل الناس مع بعضهم كبشر قبل أي شيء آخر، لا كجماعات متقابلة كل منها في زاويتها الخاصة.


في المحصلة، يقدّم جورج خباز المسرح كمساحة إنسانية حيّة تتجاوز حدود الفن، لتصل إلى جوهر العلاقة بين الناس، وهو ما يتجسّد بوضوح في مسرحية "خيال صحرا" التي تمزج بين العمق الفلسفي والكوميديا الذكية، وتعيد قراءة الواقع الإنساني بلغة أقرب إلى الناس وأكثر صدقا ودفئا.