June 12, 2026   Beirut  °C
مناطق

رازي الحاج: 100 مليون دولار شهريًا كلفة النزوح والبلديات تدفع الثمن

عاد ملف النزوح الداخلي إلى واجهة المشهد اللبناني مع تجدد الضربات الإسرائيلية واتساع المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع. فبعد أشهر من النزوح الذي شهدته مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، بدأت التحذيرات تتصاعد من موجات جديدة قد تفوق قدرة العديد من المناطق اللبنانية على الاستيعاب، في ظل أزمة اقتصادية خانقة وإمكانات رسمية محدودة.

وقد اكتسب هذا الملف أهمية إضافية بعد تصريحات وزير الإعلام بول مرقص، الذي أشار إلى قلق الحكومة من تداعيات أي تصعيد جديد وما قد يرافقه من حركة نزوح واسعة، خصوصًا أن العديد من المناطق التي استقبلت النازحين خلال الأشهر الماضية باتت تواجه ضغوطًا متزايدة على مستوى الخدمات والبنية التحتية والقدرة الاستيعابية.


فهل يملك لبنان اليوم القدرة على التعامل مع أي موجة نزوح جديدة؟ وكيف تنظر الدولة والبلديات إلى التحديات المقبلة؟ وما هي التداعيات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تنتج عن استمرار هذا الواقع؟


وانطلاقًا من هذا الواقع، أكد النائب رازي الحاج أن موجة النزوح الحالية تختلف جذريًا عن تلك التي شهدها لبنان خلال الحرب السابقة، سواء من حيث مدتها أو حجم الدمار الذي تسببت به.


وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن الحرب السابقة استمرت 66 يومًا فقط، وعاد بعدها معظم النازحين إلى قراهم، ليجدوا أن الأضرار كانت محصورة نسبيًا في عدد من الأبنية التي استهدفتها إسرائيل بذريعة استخدامها من قبل عناصر حزب الله.


وأشار الحاج إلى أن الحرب الحالية، المستمرة منذ الثاني من آذار، دخلت شهرها الرابع، فيما يترافق التوغل الإسرائيلي مع عمليات تدمير واسعة ومنهجية طالت عشرات القرى الجنوبية، لافتًا إلى أن حجم الدمار الكامل قد يتجاوز ستين قرية. ورأى أن استمرار الحرب أو استمرار تداعياتها يبقى احتمالًا قائمًا لفترة طويلة، خصوصًا في ظل عدم حسم ملف حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وطرح فكرة "المناطق التجريبية" (Pilot Zones)، التي تقوم على انسحاب إسرائيل من مناطق محددة مقابل انتشار الجيش اللبناني ومنع أي إعادة تمركز لحزب الله فيها.


وفي ما يتعلق بالضغط الذي يفرضه النزوح على المناطق المستضيفة، شدّد على أن مئات آلاف النازحين انتقلوا إلى مناطق جديدة، ما أدى إلى أعباء مالية واجتماعية كبيرة. وأوضح أن الدولة تتحمل شهريًا ما يقارب مئة مليون دولار كلفة الإيواء، فيما تتحمل البلديات والمجتمعات المضيفة أعباء إضافية رغم أوضاعها المالية الصعبة أساسًا.


وفي سياق متصل، لفت الحاج إلى أن ملف الإيواء يقع بشكل أساسي على عاتق الدولة من حيث تأمين مراكز الإيواء، مع الإشارة إلى أن اختيار هذه المراكز لا يجب أن يكون في مناطق بعيدة عن أماكن النزوح، نظرًا لما يسببه ذلك من كلفة إضافية على النقل وارتفاع في كلفة الإيواء بشكل عام.


وأضاف أن الإيواء في المناطق الجبلية، على سبيل المثال، قد يكون أعلى كلفة، خصوصًا مع اقتراب فصل الخريف وما يفرضه من أعباء إضافية تتعلق بالتدفئة، معتبرًا أن لدى الدولة مراكز إضافية يمكن فتحها عند الحاجة، إلا أن هذا الأمر يبقى مرتبطًا باستراتيجية حكومية تُنسّق مع وزارة الشؤون الاجتماعية.


ولفت الحاج إلى أن تداعيات النزوح لا تقتصر على الجانب المالي، بل تمتد إلى البنية التحتية والخدمات العامة، من الصرف الصحي وإدارة النفايات إلى الرعاية الصحية والازدحام المروري، فضلًا عن انعكاسات اجتماعية بدأت تظهر من خلال ارتفاع بعض أنواع الجرائم ذات الطابع الاجتماعي المرتبطة بالظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يعيشها النازحون، مشيرًا إلى أن هذه التداعيات مرشحة للاستمرار وترك آثار بعيدة المدى إذا لم تتم معالجة أسباب الأزمة من جذورها.


ورأى أن خطر توسع النزوح يبقى قائمًا ما دامت الضربات الإسرائيلية مستمرة أو مرشحة للتوسع جغرافيًا، ولا سيما في الضاحية الجنوبية والمناطق التي تشهد عمليات عسكرية متواصلة، موضحًا أن البلديات والأجهزة الأمنية تتابع هذا الملف بشكل دوري، إلا أن الحل الفعلي، بحسب تعبيره، يبقى مرتبطًا بإنهاء الحرب وقيام دولة تمتلك وحدها قرار السلم والحرب والسلاح الشرعي.


وختم الحاج بالإشارة إلى وجود ثغرات أساسية في إدارة ملف النزوح، أبرزها ضعف الجهوزية وقلة التمويل، مشيرًا إلى أن لبنان يفتقر إلى البنى التحتية الوقائية التي تسمح بحماية السكان خلال الحروب، بخلاف إسرائيل التي تمتلك ملاجئ وتجهيزات مخصصة لحالات الطوارئ.


كما اعتبر أن الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان منذ سنوات تحدّ من قدرة الدولة على تمويل خطط الاستجابة والإغاثة، في وقت لا تزال فيه الأولويات الإنمائية والخدماتية الأساسية تعاني من نقص التمويل والاستثمارات.


وعليه، يبقى ملف النزوح عالقًا بين محدودية الإمكانات والخوف من استمرار التصعيد وتوسعه، فيما يبقى مصير آلاف العائلات مرتبطًا بمسار الحرب وما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من موجات النزوح.