يتجدد الجدل حول قلعة الشقيف الأثرية بعدما تحولت إلى نقطة اشتباك في الرواية الإعلامية والسياسية بين إسرائيل وحزب الله. ففي وقت نفى النائب حسن فضل الله وجود أي مواقع لحزب الله داخلها، جاءه الرد الإسرائيلي على لسان المتحدث باسم جيشها أفيخاي أدرعي من خلال نشر صور قال إنها تُثبت وجود عناصر وبنى تحتية تابعة للحزب في الموقع. هذا السجال السياسي والإعلامي يعكس حدة التوتر في جنوب لبنان، ويثير تساؤلات حول استخدام المواقع الأثرية في الصراع الدائر بين حزب الله وإسرائيل.
وبعيدا عن ما حصل أخيرا، تعود مِنصة "بالعربي" في الأسطر الآتية إلى تاريخ قلعة معروفة باسم "قلعة بوفور".
فبعد أكثر من عقدين على الانسحاب، عاد "الوحش على الجبل" إلى الواجهة مجددا. فمع إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس السيطرة على قلعة الشقيف، عاد اسم القلعة ليتصدر المشهد باعتبارها واحدة من أكثر المواقع الاستراتيجية حساسية في جنوب لبنان، وموقعا ارتبط على مدى عقود بمحطات مفصلية من الصراع في المنطقة.
ويأتي هذا التطور بعد نحو 25 عاما على انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في العام 2000، ليعيد القلعة إلى قلب الأحداث العسكرية والسياسية، بعدما ظل اسمها حاضرا في الذاكرة العسكرية الإسرائيلية، بفعل موقعها الفريد.
ولا تنظر إسرائيل إلى الشقيف باعتبارها مجرد قلعة تاريخية أو موقع مرتفع، بل كإحدى أهم النقاط الحاكمة في جنوب لبنان. حتى إن وسائل إعلام إسرائيلية وصفتها مرارا بـ "الوحش على الجبل"، في إشارة إلى موقعها الاستثنائي وما يوفره من قدرة واسعة على المراقبة والرصد والتحكم.
فالقلعة ترتفع أكثر من 700 متر فوق سطح البحر، وتطل على مساحة واسعة تمتد من مرتفعات الجنوب اللبناني إلى شمال فلسطين. كما تشرف مباشرة على مستوطنة المطلة، إلى جانب نهر الليطاني ومحاور حيوية تربط بين النبطية ومرجعيون والقطاع الشرقي من الجنوب.
هذا الموقع جعل منها نقطة مراقبة متقدمة بامتياز، تتيح متابعة التحركات على مساحات واسعة والإشراف على طرق الإمداد والمحاور العسكرية الرئيسية، وهو ما يفسر الأهمية التي احتفظت بها في الحسابات العسكرية الإسرائيلية.
غير أن أهمية الشقيف لا تقتصر على بعدها العسكري. فالقلعة تُعد واحدة من أبرز المعالم التاريخية والتراثية في لبنان، ومن أشهر القلاع الصليبية في بلاد الشام. وعلى الرغم من أن الموقع شهد تحصينات أولية في العهد الروماني، فإن معظم الأبنية القائمة اليوم تعود إلى الحقبة الصليبية، حين أُطلق عليها اسم "بوفور" أو "الحصن الجميل".
وعلى مر القرون، تعاقبت على القلعة قوى وحضارات عدة؛ إذ استولى عليها صلاح الدين الأيوبي بعد حصار طويل، ثم استعادها الصليبيون لفترة قبل أن تنتقل إلى سيطرة المماليك بقيادة الظاهر بيبرس في العام 1268.
وفي العام 2024، مُنحت القلعة صفة :الحماية المعززة: بموجب البروتوكول الثاني الملحق باتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، ما عزز مكانتها بوصفها موقعا تراثيا ذا قيمة تاريخية وثقافية استثنائية.
وعلى الرغم من تاريخها العريق، لم تنفصل القلعة يوما عن الصراعات الحديثة. ففي سبعينيات القرن الماضي تعرضت لقصف إسرائيلي مكثف بعد أن استخدمتها منظمة التحرير الفلسطينية موقعا عسكريا، قبل أن تتحول في العام 1982 إلى ساحة واحدة من أبرز معارك الاجتياح الإسرائيلي للبنان.
وبقيت القلعة تحت السيطرة الإسرائيلية حتى الانسحاب من جنوب لبنان في العام 2000، لتتحول لاحقا إلى معلم تاريخي يستحضر فصولا طويلة من الصراع في المنطقة.
واليوم، ومع عودتها إلى واجهة الأحداث، تستعيد قلعة الشقيف حضورها بوصفها أكثر من مجرد حصن أثري يروي تاريخ المنطقة؛ فهي نقطة جغرافية نادرة تجمع بين الرمزية التاريخية والأهمية العسكرية، وهو ما أبقاها، على مدى عقود، أحد أكثر المواقع تأثيرا في معادلات الصراع جنوب لبنان.