June 06, 2026   Beirut  °C
تربية

تلامذة يرفعون الصوت عبر "بالعربي" برسالة للوزيرة: نحن نحب العلم لكن انظري إلى أوضاعنا بعين العدالة والرحمة

يتصدر ملف الامتحانات الرسمية في لبنان واجهة السجال من جديد، في ظل تمسك وزارة التربية بإجرائها في مواعيدها المحددة رغم التحديات، مقابل تصاعد الدعوات المطالبة بالتأجيل أو الإلغاء في ضوء واقع يزداد تعقيدا. لكن خلف هذا الجدل، تبقى حقيقة أساسية لا يمكن تجاوزها: تلامذة الجنوب، الذين لم يكونوا يوما تفصيلا.

فبين المواقف والقرارات، يبرز سؤال جوهري يطرح خجلا أو يتجاهل عمدا: أين هؤلاء التلاميذ من كل ما يحكى؟ وماذا يريدون فعليا من وزارة التربية؟

تلامذة الجنوب لم يكونوا يوما هامشا في المعادلة، بل هم الأساس، وأي قرار تربوي يفترض أن يبنى على صوتهم وواقعهم، لأن أي مقاربة لا تنطلق منهم تبقى ناقصة مهما بدت مكتملة شكلا.


وفي هذا السياق، يقول التلميذ في الفرع الأدبي من بلدة الحوش – قضاء صور علي جبارة، وهو وأحد التلامذة النازحين بسبب الحرب، إن اعتراضه على حصول الامتحانات الرسمية لا ينبع من رفضه للتعليم أو من عدم رغبته في متابعة دراسته، بل من شعوره بأن الظروف الاستثنائية التي يعيشها تلامذة الجنوب تجعل من الامتحانات غير عادلة في هذا التوقيت.


ويؤكد جبارة أن تلامذة الجنوب يتمسكون بالعلم كخيار أساسي لبناء مستقبلهم وخدمة بلدهم، قائلا: نحن نحب العلم ونسعى إليه، ونريد أن ننجح ونكون جزءا من أجيال تصنع مستقبل لبنان.


لكنه يشدد على أن موقفهم مرتبط بالظروف الراهنة فقط، لا بمبدأ الامتحانات بحد ذاته، موضحا أنهم لا يعارضون الامتحانات في الأوضاع الطبيعية، بل في ظل واقع الحرب وما خلفته من تداعيات نفسية واجتماعية واقتصادية على آلاف العائلات.


ويشير إلى أن عددا كبيرا من التلامذة أمضوا أشهرا بعيدا عن منازلهم ومدارسهم بسبب النزوح، ما انعكس سلبا على قدرتهم على الدراسة والتركيز. فبين مراكز إيواء ومدارس تحولت إلى أماكن سكن موقت، يواجه التلامذة ظروفا غير ملائمة، في وقت تثقلهم أعباء مادية ومعيشية بعد خسارة منازلهم أو مصادر رزق عائلاتهم.


ويؤكد جبارة أن الأزمة لا تقتصر على الجانب التعليمي، بل تمتد إلى معاناة إنسانية يومية يعيشها التلامذة، في ظل ضغط نفسي متواصل وانعدام الاستقرار، ما يجعل متابعة المنهج الدراسي بشكل طبيعي أمرا بالغ الصعوبة.


أما الرسالة التي يوجهها باسم تلامذة الجنوب إلى وزيرة التربية، فتتمحور حول مطلب أساسي في هذه المرحلة، وهو إلغاء الامتحانات الرسمية واعتماد إفادات تتيح لهم متابعة مسيرتهم الجامعية، مراعاة للظروف الاستثنائية التي مروا بها.


ويقول: معالي الوزيرة، نحن لسنا ضد العلم ولا ضد الامتحانات، لكننا نرى أن القرار في هذه الظروف غير عادل. الكثير من التلامذة يشعرون أن المعاناة التي مروا بها لا تؤخذ بعين الاعتبار.


ويضيف: أنت قلت إنك أم وتخافين علينا، وكل أم تخاف على أولادها. لذلك نطلب أن ينظر إلى أوضاعنا بعين العدالة والرحمة، وأن يتخذ قرار يراعي ظروفنا الحقيقية.


ويختم بالقول: نريد إلغاء الامتحانات الرسمية ومنحنا فرصة لمتابعة تعليمنا دون أن يظلم أحد، حتى نتمكن من بناء مستقبلنا رغم كل ما مررنا به.


من جهته، يقول التلميذ في فرع علوم الحياة من بلدة لوبية في قضاء صيدا كريم علول إنه كان يطمح إلى التفوق منذ بداية العام الدراسي، واضعا هدفا واضحا لتحقيق نتيجة مميزة تكلل جهوده.


لكن الحرب، كما يقول، قلبت كل الحسابات: كنت أدرس بجدية كبيرة وأطمح لعلامة عالية، لكن مع الحرب تغير كل شيء. في كل مرة أكون فيها أدرس، أسمع صوت انفجار أو غارة، فأضطر للتوقف ومتابعة الأخبار والتأكد من سلامة الناس.


ويضيف أن القلق والخوف أصبحا جزءا من الحياة اليومية لتلامذة الجنوب، حيث تتحول المتابعة الدراسية إلى محاولة مستمرة للتكيف مع واقع أمني مضطرب، قائلا: بعد كل غارة نسأل عن المصابين والشهداء، ونحاول فقط أن نفهم ما إذا كنا بأمان.


ويشير علول إلى أن التفكير بالامتحانات لم يعد منفصلا عن هاجس السلامة، مضيفا أن بعض القرى تعرضت للقصف مؤخرا، ما زاد من شعور عدم الاستقرار وصعوبة التخطيط للمستقبل الدراسي.


أما رسالته إلى وزيرة التربية، فتتمحور حول أولوية حماية التلامذة: إذا كان التلامذة هم أبناء الوطن، فالأولوية يجب أن تكون لسلامتهم أولا. ليس من العدل أن نطلب للامتحان في ظل ظروف قد تعرض حياتنا للخطر.


ويشدد على أن سلامة التلامذة يجب أن تتقدم على أي اعتبار تربوي، لأن حماية الحياة تبقى الأساس لأي مسار تعليمي.


وفي شهادات أخرى، يفضل بعض التلامذة الذين فقدوا أفرادا من عائلاتهم خلال الحرب عدم الخوض في تفاصيل معاناتهم، إلا أن ما يرويه زملاؤهم يعكس حجم الألم الذي يعيشه تلامذة الجنوب اليوم.


يقول أحدهم بأن رفيقه فقد أخاه الوحيد، وهو مسعف، إثر غارة استهدفت مركز عمله. وبعدها بأيام، فقد آخر والده نتيجة غارة أخرى. تخيلوا كيف يمكن لتلميذأن يدرس أو يستعد لامتحان وهو يعيش هذا الواقع، وسط خوف دائم على بيته وعائلته ومستقبله.


ويختم بالقول إن التلامذة لا يعيشون فقط ضغط الامتحانات، بل أيضا قلق البقاء، في ظل واقع يجعل الاستقرار التعليمي والنفسي تحديا يوميا يفوق قدرة أي جدول امتحاني.


وإلى جانب هذه الشهادات، تبرز وجهة نظر مختلفة لتلامذة يدرسون في مناطق آمنة، تعكس بدورها بعدا آخر من الأزمة التربوية.


تقول التلميذة في الفرع الأدبي لاميتا عيد إنها تعارض حصول الامتحانات الرسمية رغم وجودها في منطقة مستقرة أمنيا واستكمالها المنهج الدراسي بشكل طبيعي، معتبرة أن المقاربة الحالية لا تراعي مبدأ العدالة بين التلامذة.


وتوضح بأنها كتلميذة في الصف الثاني عشر وفي منطقة آمنة، أعارض إجراء الامتحانات الرسمية، لأن من غير العادل أن تفرض امتحانات موحدة على تلامذة يعيشون ظروفا مختلفة تماما، خصوصا تلامذة الجنوب الذين يواجهون واقعا صعبا يمنع الكثير منهم من التقدم بشكل طبيعي.


وتشير إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالتأجيل أو المواعيد، بل بالفجوة الكبيرة في الظروف بين التلامذة داخل البلد الواحد، حيث يتمكن البعض من متابعة دراسته بشكل منتظم، فيما يواجه آخرون تحديات يومية مرتبطة بالنزوح والقلق وانعدام الاستقرار.


وتضيف أن حتى الحلول الجزئية، كاعتماد أكثر من دورة للامتحانات، لا تعالج جوهر المشكلة، لأن التداعيات النفسية والاجتماعية للحرب امتدت طوال العام الدراسي وأثرت على آلاف التلامذة.


وتابعت القول بأن تلامذة الجنوب، رغم أنهم الأكثر تضررا، لا يزال صوتهم غير مسموع بالشكل الكافي، داعية إلى مقاربة تربوية أكثر عدالة تأخذ في الاعتبار الفروقات الكبيرة في الواقع المعيشي والتعليمي بين التلامذة.


وبذلك، تلتقي صرخات تلامذة الجنوب النازحين مع هواجس زملائهم في المناطق الآمنة عند حقيقة واحدة: أن المرحلة الراهنة تتطلب مقاربة تربوية أكثر إنصافا وواقعية، تأخذ في الاعتبار الظروف الاستثنائية التي فرضتها الأزمات المتلاحقة.


وأمام هذا الواقع، تتجه الأنظار إلى وزارة التربية وسط تساؤلات متزايدة حول مدى قدرتها على مواكبة معاناة التلامذة والتجاوب مع مطالبهم. فهل ستسمع رسالتهم هذه المرة، أم سيبقى انتظارهم مستمرا؟