June 05, 2026   Beirut  °C
أمن - قضاء

جورج عقيص: لبنان يتجه نحو طيّ صفحة الإعدام نهائيًا

عاد ملف عقوبة الإعدام إلى دائرة النقاش التشريعي في لبنان بعد خطوة لافتة من لجنة الإدارة والعدل النيابية، تمثلت في إقرار اقتراح قانون يقضي بإلغائها من مختلف النصوص القانونية واستبدالها بالعقوبة الأشد. خطوة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات القانونية والحقوقية إثارة للجدل، بين من يرى في الإعدام عقوبة ضرورية لتحقيق العدالة والردع، ومن يعتبر أنها لم تعد تنسجم مع مفاهيم حقوق الإنسان والمعايير القانونية الحديثة.

ومع انتقال الاقتراح إلى الهيئة العامة لمجلس النواب، تتجه الأنظار إلى مواقف الكتل النيابية وإمكانية إقراره، في محطة قد تشكل تحولًا بارزًا في السياسة العقابية اللبنانية بعد عقود من تعليق تنفيذ أحكام الإعدام.


وفي هذا الإطار، أشار عضو تكتل "الجمهورية القوية" النائب جورج عقيص إلى أن إلغاء عقوبة الإعدام ليست فكرة جديدة، موضحًا أن العديد من الأفكار الاجتماعية والقانونية والفلسفية تحتاج إلى وقت حتى تصبح المجتمعات مهيأة لتقبلها.


ولفت، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن الظروف الفكرية والقانونية والثقافية والاجتماعية تتطور مع مرور الوقت، ما يؤدي إلى تغير النظرة تجاه بعض القضايا، ومن بينها مسألة إلغاء عقوبة الإعدام. وأشار إلى أن ناشطين كثر عملوا على هذا الملف في السابق، كما تقدم النائب السابق إيلي كيروز باقتراح قانون مماثل عام 2011، إلا أنه لم يصل إلى مرحلة الإقرار.


واعتبر عقيص أن ما تغير اليوم هو تضافر مجموعة من العوامل، أبرزها وجود مجتمع مدني حيوي وجمعيات ناشطة عملت على هذا الملف، إلى جانب تبني عدد من النواب للاقتراح وتوقيعهم عليه وإحالته إلى الحكومة، فضلًا عن الدعم الذي حظي به من رئيس الحكومة ووزير العدل المتحمسين لهذه الفكرة. ورأى أن الاقتراح سيحظى بأكثرية مريحة في الهيئة العامة، ولا سيما أن معظم الكتل الممثلة في لجنة الإدارة والعدل أبدت رأيًا إيجابيًا حياله وأقرت مضمونه.


وأكد أن إلغاء عقوبة الإعدام ينسجم إلى حد كبير مع المعايير الدولية، مشيرًا إلى أن 145 دولة حول العالم ألغت هذه العقوبة واعتبرت أنها لا تنسجم مع كرامة الإنسان ولا مع الغاية الأساسية من العقاب. وأضاف أن النظرة الدولية إلى لبنان ستتحسن في حال إقرار القانون، لأن من بين المعايير الأساسية المعتمدة في تقييم سيادة القانون مدى تطبيق الدولة لعقوبة الإعدام من عدمه، لافتًا إلى أن استمرار وجود هذه العقوبة ينعكس سلبًا على تصنيف الدولة في مؤشرات سيادة القانون.


وأشار عقيص أيضًا إلى أن لبنان يواجه في بعض الأحيان صعوبات في استرداد مطلوبين من الخارج، إذ ترفض بعض الدول تسليم أشخاص مطلوبين أمام القضاء اللبناني بسبب وجود عقوبة الإعدام في التشريعات اللبنانية، معتبرًا أن إلغاءها قد يسهّل هذا النوع من الإجراءات القضائية الدولية.


وفي معرض رده على المخاوف المتعلقة بتراجع مستوى الردع، شدد على أن التجارب الدولية لا تدعم هذا الطرح، موضحًا أن عقوبة الإعدام لم تنجح، منذ فجر التاريخ، في منع ارتكاب الجرائم. ولفت إلى أن الردع الحقيقي لا يرتبط بجسامة العقوبة بقدر ما يرتبط بمجموعة من العوامل، من بينها الاستقرار والتعليم والظروف الاقتصادية وفعالية الأجهزة الأمنية، إضافة إلى وجود قضاء مستقل ونزيه وشفاف وعادل وحازم، وهي العناصر التي تشكل، برأيه، الأساس الفعلي للحد من الجريمة.


كما أكد عقيص أنه كان من الحريصين على عدم ربط قانون إلغاء عقوبة الإعدام بأي قانون عفو عام، سواء كان مطروحًا حاليًا أو قد يُطرح مستقبلًا، موضحًا أن قانون إلغاء عقوبة الإعدام يُعد تعديلًا عامًا على قانون العقوبات، فيما يشكل العفو العام قانونًا استثنائيًا منفصلًا له طبيعته الخاصة.


وختم بأن التحفظ الوحيد داخل اللجنة صدر عن نواب حزب الله، الذين لم يعلنوا معارضتهم للاقتراح، بل أبلغوا اللجنة أنهم سيمتنعون عن التصويت عليه. وأضاف أن الأكثرية وافقت على الأسباب الموجبة للقانون، معتبرًا أن الالتزام بمعايير سيادة القانون يشكل خطوة أساسية إذا كان لبنان يسعى إلى بناء دولة حديثة ومتكاملة المواصفات بعد عقود طويلة من الصراعات والنزاعات.


وعليه، يبدو أن مسار هذا الاقتراح بات أقرب إلى الإقرار منه إلى التعطيل، في ظل غياب اعتراضات فعلية داخل لجنة الإدارة والعدل، واقتصار المواقف المتحفظة على الامتناع عن التصويت من قبل بعض الكتل.