عاد ملف قانون الإيجارات إلى الواجهة مجددًا، في ظل النقاشات الدائرة بين المستأجرين والجهات التي تمثلهم حول الجدل القائم بشأن أي من قانونَي الإيجارات سيُعتمد في التطبيق.
فبعدما كان الخلاف يتمحور حول ما إذا كان القانون الواجب التطبيق هو القانون الصادر عام 2014 أم القانون الصادر عام 2017، بات الاهتمام اليوم منصبًا على تحديد السنة التي تبدأ منها مهلة التمديد بالنسبة إلى غير المستفيدين من الصندوق لمدة 9 سنوات، وللمستفيدين منه لمدة 12 سنة، وذلك من خلال حسم أي من التاريخين يُعتد به كنقطة انطلاق لتطبيق القانون.
وفي هذا الإطار، أوضح رئيس تجمع الحقوقيين للطعن وتعديل قانون الإيجارات، المحامي أديب زخور، أن اعتماد عام 2014 كنقطة انطلاق يعني انتهاء التمديد بتاريخ 28/12/2026، أما إذا اعتُمد قانون عام 2017، فإن التمديد ينتهي بتاريخ 28/2/2029 بالنسبة إلى المستفيدين من الصندوق.
وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن أحكامًا مبرمة صدرت عن محاكم البداية والاستئناف اعتمدت قانون عام 2017، وعلقت الإجراءات استنادًا إلى المادة 58 طوال السنوات العشر الماضية. كما صدر أخيرًا عن محكمة الاستئناف في بعبدا، برئاسة القاضية ريما شبارو، بتاريخ 28 نيسان 2025، قرار قضى بعدم إمكان تطبيق القانون أو حتى احتساب مهلة التسع سنوات أو الاثنتي عشرة سنة من دون توافر جميع العناصر المكونة للقانون، وفي مقدمها اللجان والصندوق، وذلك استنادًا إلى مبدأ وحدة النصوص القانونية وعدم جواز تجزئتها.
وأضاف أن المستأجرين فوجئوا، بعد تاريخ 28/2/2026، بصدور قرارات اعتمدت قانون عام 2017 من جهة، لكنها أسقطت حقهم في التمديد استنادًا إلى المادة 16 من جهة أخرى، معتبرًا أن ذلك يشكّل تطبيقًا انتقائيًا ومجزأً للقانون. إذ جرى اعتبار أن عدم إبلاغ المالك وعدم صدور قرار عن اللجان باستفادة المستأجر من الصندوق يؤديان إلى إسقاط حقه في التمديد، من دون انتظار انتهاء سنوات التمديد أو استكمال الشروط القانونية الأخرى.
ورأى زخور أن هذا التوجه يخالف أحكام القانون، ولا سيما المادة 16، التي أوجبت توافر الشرطين معًا لإعمال الإسقاط. كما أن المستأجر لا يتحمل أي مسؤولية عن عدم صدور قرار عن اللجان، باعتبار أن هذه المعاملة مستحيلة التنفيذ أساسًا بسبب عدم تأليف اللجان وعدم مباشرتها عملها منذ صدور القانون وحتى تاريخه.
ولفت إلى أن بعض قضاة الإيجارات في بيروت تراجعوا عن هذا التفسير، وأبقوا فقط على شرط إعلام المالك، إلا أن المستأجرين يسجلون ملاحظة أساسية مفادها أن تطبيق شرط واحد من شروط المادة لا يؤدي إلى إسقاط حق التمديد.
وأضاف أنه لا يمكن تطبيق الفقرة الأولى من المادة 16 بصورة مجتزأة من دون سائر فقرات المادة نفسها، ولا من دون ربطها بالمادة 27، وإلا كان ذلك تطبيقًا خاطئًا للقانون.
وأكد أن هذا الموقف يستند إلى مبدأ وحدة القانون وعدم قابليته للتجزئة، وإلى عدم إمكان تطبيقه من دون اللجان والصندوق، وهي النقاط التي تناولتها القاضية ريما شبارو بصورة موسعة ومفصلة في قرارها الصادر بتاريخ 28 نيسان 2025، إضافة إلى مسألة تعليق القانون استنادًا إلى المادة 58 الصريحة والواضحة.
وأوضح زخور أن المادة 58 علقت المواد المتعلقة باللجان والصندوق، ومنها المادة 16 مباشرة، وهي من أولى المواد المشمولة بالتعليق، لأنها تمنح المستأجر خيار البقاء في المأجور أو تركه مقابل الحصول على التعويضات المستحقة له. وبرأيه، لا يمكن تطبيق هذا الخيار من دون وجود اللجان والصندوق، خلافًا لما يذهب إليه عدد من القضاة المنفردين في بيروت والمناطق.
وحذر زخور من أن الاستمرار في هذا النهج، ما لم يتم التراجع عنه، قد يؤدي إلى تهجير جماعي مخالف للقانون وروحيته، لافتًا إلى أن الدولة والقانون ضمنا إشغال المستأجرين حتى عام 2029، مع ربط ذلك بأحكام المادة 28 وبشرط تسديد التعويضات للمستأجرين.
وأشار إلى أن هذه التعويضات تشكّل جزءًا أساسيًا من الحل الرامي إلى تأمين أماكن سكن مناسبة للمستأجرين عند الإخلاء، وأنه من دونها لا يمكن تنفيذ عمليات الإخلاء أو حتى التفكير بها. كما شدد على أنه لا يجوز للقضاة المنفردين مخالفة القرارات الاستئنافية المبرمة الصادرة في هذا الشأن.
وختم: "نعول على حكمة القضاة ومناقبيتهم في مقاربة هذا الملف، ولدينا كامل الثقة بأنهم سينظرون في أساس النزاع بكل موضوعية وتجرد، وأنهم سيعملون على تصويب القرارات التي صدرت بما ينسجم مع القانون والاجتهادات القضائية المستقرة".
وبين تضارب الاجتهادات واستمرار الخلاف حول تفسير القانون، يبدو أن ملف المستأجرين القدامى سيبقى مفتوحًا على مزيد من السجالات في المرحلة المقبلة، في وقت تتصاعد فيه هواجس المستأجرين حيال مصيرهم السكني وإمكانية فقدان الضمانات التي يعتقدون أن القانون كفلها لهم.