June 04, 2026   Beirut  °C
تربية

بعد استشهاد ثيودوسيا كرم.. إدغار طرابلسي: لا يجوز أخذ 45 ألف تلميذ رهينة من أجل 2000

في الوقت الذي تصبح فيه مقاعد الدراسة ملاذًا للأمل والمستقبل، تحولت طرقات لبنان إلى مصيدة للموت تتربص بطلابها. الفاجعة التي حلّت باستشهاد الطالبة ثيودوسيا كرم ووالدها الدكتور جيمس كرم وشقيقها طوني، إثر استهداف سيارتهم أثناء عودتهم من الجامعة، لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل صرخة دم تدق ناقوس الخطر حول مصير آلاف الطلاب.

وأمام هذا الواقع المرير، والصرخات الطلابية المستمرة للمطالبة بإلغاء الامتحانات الرسمية حفاظًا على الأرواح، يبرز التساؤل: ما الذي ينتظره المسؤولون للتحرك؟ وفيما كان النائب إدغار طرابلسي قد استبق الكارثة برسالة تحذيرية إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، مطالبًا بقرار جريء يقضي بإلغاء الامتحانات أسوة بالنموذج الفرنسي في الأزمات، لا تزال وزيرة التربية تتمسك بإجراء الامتحانات في مواعيدها، وكأن السلامة الجسدية باتت تفصيلًا ثانويًا أمام الحسابات الإدارية.

وفي هذا السياق، قال النائب إدغار طرابلسي إنه منذ البداية كان موقفه واضحًا تجاه معالي وزيرة التربية ريما كرامي، وذلك منذ اليوم الأول الذي طُرحت فيه فكرة ثلاث دورات للامتحانات، والتي من شأنها تقسيم الطلاب في لبنان إلى فئتين. فئة أولى تتقدم إلى الدورة الأولى مع إمكانية الاستكمال في الدورة الثانية، وفئة ثانية تتقدم إلى الدورة الثانية مع الاستكمال في الدورة الثالثة.


وأوضح أنه لا يجوز في العمل التربوي إلا تحقيق المساواة والعدالة بين جميع الطلاب.


وأضاف أن اعتماد دورتين مع استكمال في دورة ثالثة يخل بمبدأ المساواة، فضلًا عن الصعوبات الإجرائية واللوجستية المتعلقة بوضع الامتحانات والإشراف عليها وتصحيحها، وهي صعوبات قائمة حتى في الظروف الطبيعية، فكيف في ظل ظروف حربية غير آمنة ومتبدلة يوميًا.


وتساءل عن مدى إمكانية تنفيذ هذا النظام، قائلًا: من يضمن أنه إذا تم تنظيم الدورة الأولى يمكن تنفيذ الثانية، وإذا نُفذت الثانية يمكن تنفيذ الثالثة؟


وتابع طرابلسي أن من هذا الباب عارضوا هذا الطرح، لكن الوزيرة أصرّت عليه، مشيرًا إلى أنه حصل لقاء في البرلمان جمع العائلة التربوية بالمناطق المتضررة، حيث تم الاستماع إلى الملاحظات، كما رفعت لجنة التربية توصية خطية إلى الوزيرة في اجتماع 26 من الشهر الفائت، إلا أن هذه التوصية، رغم كونها معتدلة، تقترح اعتماد دورة واحدة في 15 تموز، أي في حال تحقق هدنة.


وأضاف أن الوزيرة أصرّت على اعتماد ثلاث دورات تبدأ في 29 حزيران، وهو تاريخ انتهاء الهدنة، لافتًا إلى أن إسرائيل في الأيام الأخيرة من الهدنة عادة ما تقوم بتصعيد ميداني لعدة أيام تمهيدًا لهدنة جديدة.


وأشار إلى أن هذا الأمر من شأنه أن يعطّل الامتحانات، إضافة إلى أنه في حال حصول هدنة دائمة وعودة الأهالي إلى بيوتهم، فإن إعادة توزيع الطلاب على مراكز الامتحانات خلال فترة قصيرة سيكون أمرًا بالغ الصعوبة، ما يجعل العملية غير جاهزة للتطبيق.


وأوضح أنهم قدّموا هذا الاقتراح للوزيرة ريما كرامي، لكنها رفضته وما زالت مصرّة على هذه المواعيد الثلاثة، متسائلًا عن السبب والخلفية، في ظل الحديث عن “سمعة الشهادة اللبنانية”، معتبرًا أن هذه السمعة تُطرح في الظروف العادية وغير العادية، وأنه يمكن في حالات استثنائية اعتماد صيغ مماثلة لما هو معمول به في بعض الدول، مثل فرنسا التي قررت إلغاء الامتحانات في عدد من دول المشرق العربي والخليج.


فيما تُصرّ السلطات اللبنانية على المضي بالامتحانات، متسائلًا عما إذا كانت القوى الأمنية قادرة على حماية الطلاب.


وأشار إلى الحادثة التي وقعت مؤخرًا، حيث استُشهدت الطالبة الجامعية ثيودوسيا كرم ووالدها الدكتور جيمس كرم وشقيقها طوني، إثر استهداف سيارتهم أثناء عودتهم من الجامعة بعد تقديمها للامتحانات، متسائلًا عما يمكن فعله في حال تكرار اعتداء مماثل في أي منطقة وسقوط ضحايا جدد.


وتابع طرابلسي أنهم يطالبون بدورة واحدة فقط، إلا أن “صوت الدم أصبح أعلى من صوت الحكمة والتعقل”، مشيرًا إلى أنه إذا طالب النواب والأهالي بإلغاء الامتحانات، فلن يجدوا أنفسهم إلا إلى جانبهم.


واعتبر أن هذا الأمر سبق أن حصل في الدولة اللبنانية عند توافر الظروف القاهرة، سواء خلال فترة الثمانينيات في عهد الرئيس أمين الجميل (1982 - 1988)، حيث تسببت الظروف الأمنية المعقدة واشتعال المعارك الحربية في لبنان بإلغاء الامتحانات الرسمية بشكل متكرر أو جزئي في أغلب سنوات عهده، واستُعيض عنها بإفادات الترشيح أو الإفادات المدرسية، أو خلال فترة جائحة كورونا، أو خلال إضراب الأساتذة الشهير عام 2014، متسائلًا عما إذا كانت هذه الإجراءات قد انتقصت من قيمة الشهادة الرسمية.


وأضاف أن الدخول إلى الجامعات اليوم لم يعد يعتمد فقط على الشهادة الرسمية، بل على ملف الطالب خلال السنوات الثلاث من المرحلة الثانوية، معتبرًا أن أهمية الشهادة لم تعد كما كانت في السابق.


وأشار إلى أن إسرائيل نفسها ألغت الشهادات الرسمية لهذا العام، متسائلًا عن سبب الإصرار على إجراء الامتحانات في لبنان، داعيًا إلى الأخذ بنصيحة لجنة التربية النيابية واعتماد دورة واحدة في منتصف تموز في حال تحقق هدنة أو تم التوصل إلى حل نهائي، أما إذا لم يحصل ذلك، فالأجدى، بحسب رأيه، التعامل بواقعية والتوجه نحو إلغاء الامتحانات لهذا العام.


وفي ما يتعلق بالقول إن إلغاء الشهادة الرسمية سيصعّب على الطلاب الراغبين في متابعة دراستهم في الخارج، أوضح أن نسبتهم لا تتجاوز بين 2 و3 في المئة، أي ما يقارب 2000 إلى 3000 طالب، متسائلًا: “هل يجوز أن نأخذ 45 ألف طالب رهينة من أجل 2000 طالب؟”


وأضاف أن الدولة الفرنسية عندما ألغت الامتحانات الرسمية في دول المشرق العربي والخليج واعتمدت العلامات المدرسية بقرار حكومي، لم تكن تحرم طلابها من الالتحاق بالجامعات في الخارج، معتبرًا أن هذه الحجة غير مقنعة ولا تستند إلى وقائع فعلية.


وأضاف طرابلسي أن الحديث عن وجود تفاوت بين المناطق لا يمكن تجاهله، إذ إن التلاميذ في المناطق الآمنة يتابعون دراستهم بشكل طبيعي، فيما يشكل ذلك ظلمًا بحق التلاميذ الموجودين في المناطق المتضررة.


وأشار إلى أن هذا الظلم قائم حتى لو كانت النسبة 10 في المئة فقط، معتبرًا أن النسبة الفعلية أعلى بكثير من ذلك، وتمتد إلى الضاحية الجنوبية لبيروت ومحيط العاصمة، متسائلًا عما إذا كان التلاميذ في قضاء بعبدا والحدث والأشرفية قادرين فعلًا على متابعة دراستهم بشكل طبيعي في ظل القصف الذي كان يطال بيروت.


كما تساءل عن قدرة الطلاب على الدراسة فيما الطائرات المسيرة تحلق فوق رؤوسهم بشكل دائم، معتبرًا أن الظروف النفسية والأمنية لا تسمح بتأمين بيئة تعليمية طبيعية ومتساوية للجميع.


وتابع قائلًا إنه إذا افترضنا توقف الحرب بالكامل في 29 من الشهر الجاري، وقررت العائلات التي نزحت إلى الكورة وزغرتا وطرابلس وكسروان والمتن العودة إلى بنت جبيل ومناطقها الأصلية، فإن ذلك سيستدعي عملية كبيرة جدًا لإعادة تنظيم مراكز الامتحانات واستبدال بطاقات الترشيح وإعادة توزيع الطلاب، متسائلًا عما إذا كانت الوزارة قادرة فعلًا على تنفيذ هذه العملية خلال فترة زمنية قصيرة.


وبالعودة إلى الرسالة التي وجّهها إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، قال طرابلسي إنه خاطبهما لأن القضية لا تتعلق بوزارة التربية وحدها، بل تمتد أيضًا إلى الجهات الأمنية والعسكرية المعنية بحماية مراكز الامتحانات، مشيرًا إلى أنه قد يكون من الضروري مخاطبة وزير الدفاع ووزير الداخلية أيضًا، باعتبار أن مسؤولية تأمين الحماية تقع على عاتقهما، متسائلًا عما إذا كانت هذه الجهات قادرة فعلًا على ضمان أمن المراكز.


وأضاف أن هناك سؤالًا بالغ الخطورة يجب التوقف عنده، وهو: ماذا لو كانت إسرائيل تلاحق أحد الأشخاص المرتبطين بجهة معينة عند مدخل إحدى المدارس أو بالقرب من مركز امتحاني؟ متسائلًا عن حجم التداعيات التي قد تنجم عن حادثة من هذا النوع وما الذي يمكن أن يحدث في هذه الحالة.


واستحضر حادثة سابقة عندما أدى انهيار سقف إحدى الغرف داخل مدرسة “الأميركان” الرسمية المختلطة في جبل محسن بطرابلس إلى وفاة الطالبة ماغي محمود (16 عامًا)، وإصابة الطالبة شذى درويش (16 عامًا) بكسور وجروح، وما رافق الحادثة من موجة واسعة من ردود الفعل والاستنكار، متسائلًا عمن سيتحمل المسؤولية إذا تكررت حوادث أخطر نتيجة القصف أو الأعمال العسكرية وسقط ضحايا داخل أو بالقرب من مراكز الامتحانات.


وعلى ضوء ذلك، فهل تُقدم وزارة التربية على إعادة النظر بقرارها، أم تمضي بالامتحانات رغم الهواجس الأمنية والتربوية المتزايدة؟ سؤال ستجيب عنه الأيام المقبلة، فيما يبقى الطلاب وأهاليهم بين القلق على المستقبل والخوف على الحياة.