حصد الطبيب والعالم اللبناني الدكتور محمد صايغ أرفع تكريم تمنحه الجمعية الأميركية لزراعة الأعضاء، بعدما اختارته للفوز بـ"جائزة الإنجاز مدى الحياة" لعام 2026، وهي أعلى وسام تمنحه الجمعية تقديرًا لمسيرة استثنائية في مجالات زراعة الأعضاء وأمراض الكلى وعلم المناعة.
ويُشكل هذا الإنجاز تتويجًا لعقود من العمل الأكاديمي والبحثي الذي جعل من الدكتور محمد صايغ أحد أبرز الأسماء العالمية في مجال زراعة الأعضاء. كما يكرس حضوره العلمي في المحافل الدولية، ويضيف إنجازًا جديدًا إلى سجل حافل بالجوائز والأبحاث التي ساهمت في تطوير هذا الاختصاص على مستوى العالم.
قي هذا السياق، أكد الدكتور محمد صايغ، أن فوزه بهذه الجائزة يُعد من أبرز المحطات في مسيرته المهنية، نظرًا إلى المكانة الرفيعة التي تحتلها داخل الجمعية الأميركية لزراعة الأعضاء.
وأوضح في حديثه عبر منصة "بالعربي"، أن الجائزة تُعد أعلى تكريم تمنحه الجمعية لأعضائها، مشيرًا إلى أنه أول لبناني - أميركي وأول عربي - أميركي ينال هذا الشرف. كما لفت إلى أنه أصبح الشخص الوحيد في تاريخ الجمعية الذي حصد الجوائز الثلاث الكبرى التي تمنحها، محققًا بذلك ما يُعرف بـ"التاج الثلاثي"، في إنجاز غير مسبوق ضمن جمعية تضم أكثر من خمسة آلاف عضو من أبرز الأطباء والعلماء والمتخصصين في زراعة الأعضاء حول العالم.
ووصف لحظة إبلاغه بالقرار بأنها كانت مفاجئة وغير متوقعة، لكنها حملت في الوقت نفسه مشاعر كبيرة من الفرح والامتنان.
وأشار إلى أن الرحلة كانت طويلة وحافلة بالتحديات والنجاحات، إلا أن الهدف الذي رافقه منذ سنواته الأولى بقي ثابتًا ولم يتغير.
وأوضح أن شغفه بالبحث العلمي بدأ في سن مبكرة، انطلاقًا من قناعته بأن لبنان والعالم العربي والشرق الأوسط لا يحظون بالمكانة التي يستحقونها على خريطة البحث العلمي العالمية، مؤكدًا أن هدفه كان دائمًا المساهمة في وضع لبنان والمنطقة في موقع الريادة والتقدم العلمي.
وعن المحطات المفصلية التي صنعت الفارق في مسيرته المهنية، أشار إلى أن من أبرزها اختياره الالتحاق بجامعة هارفرد، معتبرًا أن هذا القرار شكّل نقطة التحول الحقيقية في مسيرته الأكاديمية والمهنية.
وكشف عن مشروع بحثي يعمل عليه حاليًا بالتعاون مع وزارة الصحة الأميركية والمعاهد الوطنية للصحة (NIH)، إلى جانب عدد من الباحثين والمختصين الأميركيين، موضحًا أن الهدف منه تطوير وتحسين مستوى الأبحاث العلمية والطبية في منطقة الشرق الأوسط، بما ينعكس إيجابًا على لبنان والعالم العربي والمنطقة ككل.
وعند الحديث عن الإرث الذي يأمل أن يتركه للأجيال القادمة، اعتبر أن من أبرز إنجازاته على المستوى اللبناني والعربي ما تحقق خلال توليه منصب عميد كلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث نجح في استقطاب نحو 250 طبيبًا وأكاديميًا من أوروبا والولايات المتحدة للعودة إلى لبنان والمساهمة في تطوير القطاع الطبي والتعليم الأكاديمي.
وأشار إلى أن عددًا من هؤلاء عادوا لاحقًا إلى الخارج بعد أزمة عام 2020، إلا أن الجهود لا تزال مستمرة لإعادة الكفاءات وتشجيعها على المساهمة في دعم القطاعين الصحي والعلمي.
وأكد أن فلسفة القيادة لديه تقوم على أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بالإنجاز الفردي، بل بقدرة الإنسان على صناعة قادة جدد يستطيعون استكمال المسيرة والبناء عليها.
ووجه رسالة إلى الشباب اللبناني والعربي الطامح إلى تحقيق بصمة عالمية في الطب والبحث العلمي، داعيًا إياهم إلى "الذهاب حتى النهاية" وعدم الاستسلام أمام التحديات، والعمل بجد واكتساب الخبرات، مع الحفاظ على ارتباطهم بأوطانهم وعدم الانقطاع عنها.
وأضاف أن بعض الباحثين يقطعون صلتهم ببلدانهم الأصلية بعد انتقالهم إلى الولايات المتحدة أو أوروبا، معتبرًا أن ذلك يشكل خسارة علمية ووطنية كبيرة، مؤكدًا أنه حافظ طوال مسيرته المهنية على ارتباطه بلبنان والمنطقة، حتى خلال عمله في جامعة هارفرد.
وشدد على أن التقدم الحقيقي في الشرق الأوسط لن يتحقق إلا من خلال دعم البحث العلمي والاستثمار فيه، لأن مستقبل المنطقة مرتبط بقدرتها على إنتاج المعرفة وتطوير العلوم.
ويأتي هذا التكريم تتويجًا لمسيرة علمية وأكاديمية استثنائية للدكتور محمد صايغ، الذي انطلق من لبنان إلى الولايات المتحدة بعد تخرجه من كلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت بمرتبة الشرف والتميّز، حيث تابع تدريبه في الطب الداخلي في كليفلاند كلينك، قبل أن يتخصص في أمراض الكلى والمناعة وزراعة الأعضاء في جامعة هارفرد.
وخلال أكثر من ربع قرن، تدرّج في المناصب الأكاديمية حتى أصبح أستاذًا جامعيًا مرموقًا في جامعة هارفرد، ونال منصبًا أكاديميًا ممولًا (Endowed Chair)، كما قاد أبحاثًا رائدة ساهمت في تطوير فهم آليات رفض الأعضاء المزروعة وتحسين نتائج عمليات الزراعة.
كما انتُخب رئيسًا للجمعية الأميركية لزراعة الأعضاء عامي 2000 و2001، ونال سابقًا جائزتين بارزتين من الجمعية تقديرًا لإسهاماته العلمية ودوره في إعداد وتدريب أجيال من الأطباء والباحثين.
ومع فوزه بجائزة "الإنجاز مدى الحياة" لعام 2026، أصبح أول لبناني - أميركي وأول عربي - أميركي ينال هذا التكريم، وأول شخص في تاريخ الجمعية يحقق "التاج الثلاثي" عبر الفوز بالجوائز الثلاث الكبرى التي تمنحها الجمعية.
ويُضاف هذا الإنجاز إلى سلسلة طويلة من الجوائز والتكريمات التي حصدها الدكتور صايغ، من بينها جائزة الكويت العلمية عام 2018، ليواصل بذلك كتابة اسم لبنان والعالم العربي في سجل الإنجازات العلمية العالمية.