بعد أكثر من أربعة عقود على توقف القطارات في لبنان، عاد الحديث من جديد عن مشروع خط القطار بين طرابلس والعبودية إلى الواجهة، في خطوة تعيد فتح ملف السكك الحديدية الذي بقي مجمدا لسنوات طويلة.
ويهدف المشروع إلى ربط مرفأ طرابلس بالحدود اللبنانية – السورية، بما قد يساهم في تنشيط الحركة التجارية وتعزيز موقع المرفأ كمركز لوجستي أساسي في شمال لبنان. كما ينظر إليه كجزء من رؤية أوسع قد تتيح مستقبلا ربط لبنان بشبكات نقل تمتد نحو سوريا وتركيا وعدد من الدول العربية.
وفي هذا الإطار، أطلقت وزارة الأشغال العامة والنقل بشخص الوزير فايز رسامني مناقصة لتحديث الدراسات الفنية والهندسية للمشروع. فهل تعيد خطط إحياء خط طرابلس – العبودية إحياء حلم عودة القطار إلى السكة؟
وفي هذا السياق، أشار رئيس مجلس الإدارة والمدير العام للسكك الحديد والنقل المشترك زياد شيا إلى أن خط طرابلس – العبودية يطرح مبدئيا ضمن خطة إعادة إحياء شبكة السكك الحديدية في لبنان، مذكّرا أن خطوط السكك الحديدية كانت تبدأ من الناقورة مرورا ببيروت وجونية وطرابلس وصولا إلى العبودية. ولفت إلى أن هذا الخط كان قائما قبل العام 1975 ومنذ أكثر من خمسين عاما.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن هناك خطا ثانيا ينطلق من بيروت مرورا بالحدث، بعبدا، الجمهور، عاليه، بحمدون، وصوفر، وصولا إلى البقاع ومدينة رياق، حيث يتفرع إلى خطين: خط دمشق وخط حمص – القصير، موضحا أنه منذ تسلمه مهامه قبل تسعة أشهر، تبين له أن الحل في البلد لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال النقل العام.
وأشار شيا إلى أن النقل العام، سواء على مستوى نقل البضائع أو الركاب، يعد ضرورة أساسية، موضحا أن طرقاتنا لم تعد تتحمل هذا الاكتظاظ، وحتى من الناحية الاقتصادية فإن الكلفة تصبح أقل.
وقال إن التوجه كان نحو دراسة المواقع الأكثر واقعية وجدية لإطلاق مشروع القطار، مشيرا إلى أن الخيار وقع على خط يمتد من مرفأ طرابلس وصولا إلى الحدود اللبنانية – السورية عند العبودية.
وأوضح شيا أن المؤسسة العامة للسكك الحديد والنقل المشترك وقعت، قبل ستة أشهر، بروتوكول تعاون مشترك مع مرفأ طرابلس، نظرا لوجود مصلحة مشتركة في إنشاء هذا الخط الذي يربط المرفأ بالحدود اللبنانية – السورية، لافتا إلى أن الهدف هو الربط مع خط الحجاز. وأوضح أن المعطيات المتوافرة تشير إلى أن هذا الخط قد ينطلق نهاية العام من السعودية مرورا بدول الخليج، ثم الأردن، وصولا إلى سوريا، ومنها إلى حمص وحلب، ثم إلى تركيا فإسطنبول، وصولا إلى أوروبا.
ورأى أن الربط مع هذا الخط يتطلب وصل خط طرابلس – العبودية بمدينة حمص، موضحا أن بروتوكول التعاون أنجز قبل ستة أشهر، وشكل بداية المسار الفعلي للمشروع. وقال إن الخطوة الثانية تمثلت بإعداد دراسة جدوى متكاملة تمهد للانتقال إلى مرحلة التنفيذ، بما يشمل إعداد دفتر شروط خاص بالمشروع.
ولفت شيا إلى أن دفتر الشروط أطلق عبر هيئة الشراء العام، بتمويل من مرفأ طرابلس، وأن الشركات الاستشارية بدأت بشراء دفاتر الشروط تمهيدا لإطلاق الدراسة رسميا، متحدثا عن أن مهلة إنجاز الدراسة حددت بستة أشهر، على أن تليها مرحلة التنفيذ مباشرة. وأوضح أن الدراسة ستحدد طبيعة المشروع وآلية تنفيذه ونوعية الشراكة الممكنة، سواء عبر نظام BOT أو PPP، إلى جانب مختلف الجوانب التقنية والإدارية.
وأكد أن الدراسة ستكون شاملة على المستويات الاقتصادية والمالية والبيئية، وستجيب عن مجموعة من الأسئلة الأساسية المتعلقة بجدوى المشروع وآليات تنفيذه، وهي مسائل تحتاج إلى تقييم متخصص من قبل الشركات الاستشارية المعنية، لافتا إلى أن المشروع يأخذ بعين الاعتبار إنشاء وصلة تربط الخط بمطار القليعات، إضافة إلى وصلة أخرى نحو المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، نظرا لأهمية هاتين المنطقتين الحيويتين وضرورة إدراجهما ضمن الدراسة ودفتر الشروط الخاص بالمشروع.
وأشار شيا إلى أن الدراسات الأولية تظهر وجود وفر كبير في كلفة نقل البضائع عبر القطار، موضحا أن العاملين في قطاع المرافئ يعتبرون أن النقل بالقطار يخفض الكلفة بنسبة تتراوح بين 70 و80 % مقارنة بوسائل الشحن الأخرى.
وأوضح أنه من المفترض، خلال فترة أقصاها ستة أشهر، إنجاز الدراسة ودفتر الشروط بالكامل تمهيدا للانتقال إلى مرحلة التنفيذ والتنسيق العملي للمشروع.
وعن موعد إمكان عودة القطار إلى لبنان، قال شيا: إذا سارت الأمور بشكل طبيعي، فلا شيء يؤخر المشروع سوى الحاجة إلى القرار والاستقرار. القرار موجود، والاستقرار إلى حد ما متوافر ضمن المحور الذي نعمل عليه، وإذا لم تواجهنا أي عوامل تعرقل المشروع، فمن المفترض أن نبدأ بالتلزيم خلال سنة إلى سنة ونصف السنة من الآن.
أضاف: واجب المؤسسة اليوم هو استكمال كل الخطوات المطلوبة لوضع المشروع على السكة الصحيحة، مشيرا إلى أن هناك خطا عمليا قائما يمكن تشغيله، خصوصا وأنه لا يحتاج إلى استملاكات جديدة، فيما تبقى التعديات عليه محدودة جدا. وتابع: لا تزال "الرايات" أي القضبان الحديدية الخاصة بالسكة، والتي يسير عليها القطار، مكدسة في مرفأ طرابلس منذ عامي 2004 و2005، أيام الرئيس الشهيد رفيق الحريري، معتبرا أن هناك عوامل عدة قد تساعد على إبصار هذا المشروع النور قريبا وألا يبقى مجرد حلم.
وأكد شيا أنه لم يدخل في مشروع غير قابل للتنفيذ، بل استند إلى معطيات وعوامل جدية يراها كافية للقول إن المشروع يمتلك جدوى فعلية وفرصا حقيقية للتنفيذ، موضحا أن العمل يتجه حاليا نحو إعداد دفتر شروط التلزيم. وشدد، في المقابل، على أن استقرار البلاد يبقى عنصرا أساسيا لاستقطاب الشركات المنفذة. وسأل: إذا خرب البلد، أي شركة ستأتي لتقول إنها تريد العمل؟ أنا أتحدث بواقعية.
وشدد على أن العمل لم يتوقف على الرغم من الظروف الصعبة، مشيرا إلى أن المؤسسة واصلت العمل على دفتر شروط الدراسة الأولية حتى خلال فترة الحرب، وقد أنجز الملف في وثيقة تجاوزت 150 صفحة. وقال: عمليا نحن لا نتوقف، ونقوم ما يتوجب علينا.
إذا، بعد عقود من التوقف، يعود ملف سكك الحديد إلى الواجهة من بوابة طرابلس. فبين الحلم والواقع، يبدو أن القطار لم يغادر الفكرة بعد، لكنه لم يصل أيضا إلى السكة الفعلية. فهل يتحقق الحلم، ويسمع اللبنانيون قريبا صفارة القطار؟