انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي صور وفيديوهات لوادي الجوز في الهرمل، كما وصلتنا مناشدات من الأهالي هناك تُحذر من كارثة بيئية خطيرة يشهدها المكان، بعدما تحول الوادي إلى مجرى للصرف الصحي والمياه المبتذلة.
وبحسب ما يؤكده السكان، فإن الروائح الكريهة باتت تملأ المنطقة، وسط مخاوف متزايدة من تأثير هذا التلوث على المياه الجوفية والمزروعات، في ظل الإهمال الكبير وغياب المعالجة الجذرية من الجهات المعنية.
فمن يتحمّل مسؤولية ما يحصل في الهرمل؟ وهل يبقى وادي الجوز ضحية الإهمال كغيره من القرى البقاعية؟
وفي هذا الإطار، أوضح رئيس بلدية الهرمل علي طه أن وادي الجوز، وهو من المناطق الطبيعية المهمة في الهرمل، يواجه اليوم واقعًا بيئيًا مقلقًا بعدما تحول إلى نقطة تلوث مفتوحة، مشيرًا إلى أن الهرمل بأكملها تواجه هذا الواقع الخطير، في ظل مشكلة حقيقية يشعر بها الأهالي يوميًا في مختلف المناطق، من خلال الروائح الكريهة وتسرّب المياه المبتذلة وتأثير ذلك على المياه الجوفية والأراضي الزراعية والصحة العامة.
ولفت، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن البلدية تتفهم تمامًا غضب الناس وقلقهم، وتشاركهم هذا القلق، مؤكدًا أنها لا تنكر حجم المشكلة ولا تحاول التهرّب من المسؤولية، بل تعتبر أن الاعتراف بوجود أزمة بيئية حقيقية يشكّل الخطوة الأولى لمعالجتها، خصوصًا أن استمرار الوضع الحالي يهدّد البيئة والصحة العامة والمياه الجوفية والزراعة في المنطقة.
وأشار طه إلى ضرورة وضع الأمور في سياقها الواقعي، معتبرًا أن الأزمة ليست نتيجة قرار متعمد من البلدية أو إهمال بسيط يمكن حله بقرار إداري سريع، بل هي نتاج تراكمات طويلة ومعقدة. وبين أن المشكلة تعود أساسًا إلى غياب بنية تحتية متكاملة للصرف الصحي منذ سنوات طويلة، بالتزامن مع التوسع العمراني الكبير الذي شهدته الهرمل، والضغط المتزايد على الشبكات والخدمات الأساسية.
وأضاف أن هناك عوامل إضافية ساهمت في تفاقم الأزمة، من بينها النمو السكاني، والتمدد العمراني غير المنظم في بعض المناطق، وغياب التمويل الكافي لإنشاء أو استكمال مشاريع معالجة حديثة، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية التي أصابت البلديات والإدارات العامة وأضعفت قدرتها على تنفيذ مشاريع بنى تحتية كبيرة أو صيانة الشبكات القائمة بالشكل المطلوب.
وكشف طه أن البلديات السابقة، إلى جانب البلدية الحالية، حاولت خلال السنوات الأخيرة التعامل مع ملف الصرف الصحي والتلوث ضمن الإمكانات المتاحة، رغم أن حجم المشكلة أكبر بكثير من قدرة أي بلدية، موضحًا أنه جرى تنفيذ عدد من التدخلات الموضعية، سواء عبر أعمال صيانة وتنظيف وفتح مجارٍ لتخفيف الضغط، أو من خلال متابعة بعض التعديات ومحاولة الحد من التصريف العشوائي في عدد من النقاط، إضافة إلى التواصل المستمر مع الجهات الرسمية والوزارات المعنية للمطالبة بخطة معالجة شاملة ومستدامة.
وأكد أن هناك أمورًا أساسية تعذر تنفيذها رغم الحاجة الملحة إليها، وفي مقدمتها إنشاء شبكة صرف صحي متكاملة ومحطة معالجة حديثة قادرة على استيعاب الحجم الفعلي للتدفقات، مشيرًا إلى أن مثل هذه المشاريع تحتاج إلى تمويل ضخم، وموافقات ودعم من الدولة والجهات المانحة، وهي تتجاوز الإمكانات المالية والإدارية الحالية للبلدية.
وشدد طه على أن البلدية لا تتنصّل من مسؤوليتها، وتعتبر نفسها معنية مباشرة بأي أزمة تمس صحة الناس والبيئة في الهرمل، ولذلك تتحمّل مسؤولية المتابعة اليومية والتدخل ضمن الإمكانات المتاحة، وممارسة الضغط على الجهات المعنية لإيجاد حلول.
وفي هذا السياق، أوضح أن من الضروري التمييز بين ما تستطيع البلدية القيام به، وبين ما يدخل ضمن مسؤوليات الدولة والوزارات والمؤسسات المركزية، لافتًا إلى أن ملف الصرف الصحي ومعالجة المياه المبتذلة لا يُعد ملفًا بلديًا فقط، بل هو جزء من البنية التحتية الوطنية التي تتداخل فيها مسؤوليات عدة جهات، أبرزها وزارة الطاقة والمياه، ووزارة البيئة، ووزارة الأشغال، ومؤسسة مياه البقاع، إضافة إلى الجهات المانحة التي تموّل عادةً مشاريع المعالجة الكبرى ومحطات التكرير.
وأشار إلى أن مسؤولية البلدية تبدأ من المتابعة الميدانية والتنظيم والتنسيق ومحاولة الحد من التعديات والتخفيف من الأضرار، لكنها لا تملك وحدها القدرة المالية أو التقنية لإنشاء محطات معالجة متكاملة أو تنفيذ شبكات صرف صحي ضخمة تحتاج إلى ملايين الدولارات وخطط مركزية، معتبرًا أن الدولة تتحمّل بدورها مسؤولية أساسية في وضع وتنفيذ سياسات بيئية وصحية وبنى تحتية مستدامة وتأمين التمويل والإشراف الفني، ما يجعل حل الأزمة بحاجة إلى شراكة فعلية بين البلدية والإدارات الرسمية.
وفي ما يتعلق بالحلول، اعتبر طه أن "الحل الوحيد هو الحل الذي لا قدرة لبلدية الهرمل وحدها على تنفيذه"، مشددًا على ضرورة إطلاق مسار جدي لمعالجة جذرية ومستدامة للملف. وأضاف أن المرحلة الحالية تتطلب تدخلًا طارئًا يشمل تحسين وتنظيف بعض خطوط الصرف القائمة، ومعالجة نقاط التصريف الأكثر خطورة، وتعزيز أعمال الرقابة ومنع أي تصريف عشوائي جديد يزيد الأزمة تعقيدًا.
وختم بأن هذه الإجراءات يجب أن تترافق مع مشروع أساسي يتمثل في إنشاء أو استكمال شبكة صرف صحي حديثة ومحطة معالجة فعلية قادرة على استيعاب الحجم الحقيقي للتدفقات السكانية والعمرانية في المدينة، وهو مشروع، بحسب رأيه، يحتاج إلى دعم مباشر من الدولة والوزارات المعنية والجهات المانحة، لأن كلفته وإدارته تتجاوزان قدرة البلدية وحدها.
في المحصلة، يبقى وادي الجوز نموذجًا عن الأزمات البيئية والخدماتية في العديد من القرى البقاعية التي اعتادت الإهمال منذ سنوات، فيما تتعالى صرخات الأهالي وتبقى مخاوفهم من تفاقم الأزمة قائمة.
فهل ثمة من يسمع؟