بعد إرجاء رئيس مجلس النواب نبيه بري جلسة إقرار قانون العفو المعدل في الهيئة العامة، بفعل التحركات الشعبية التي شهدتها العديد من المناطق اللبنانية احتجاجًا على عدم شمول القانون الشيخ أحمد الأسير وعددًا من الموقوفين الإسلاميين، تتجه الأنظار إلى مصير هذا الملف، ولا سيما في ظل تصاعد الضغط الشعبي، ومواقف غالبية النواب السنة، إلى جانب عددٍ من الكتل السياسية الوازنة المؤيدة للعفو عن الأسير ورفاقه، وإنهاء ملف عبرا بعد مرور 15 عامًا قضاها الأسير في سجن رومية.
فهل تنجح هذه الضغوط في تحرير الأسير وإقفال هذا الملف الشائك؟ وما هو الدور الذي ستلعبه دار الفتوى والكتلة السنية في مجلس النواب في إيصال هذا الملف إلى خواتيمه السياسية والقضائية؟
وفي هذا الإطار، قال الناشط في ملف عبرا خالد البوبو إن تأجيل الرئيس بري للجلسة التي كان من المقرر عقدها الخميس يحمل دلالات واضحة، أبرزها "سحب فتيل الفتنة" الذي جرى زرعه، على حد تعبيره، من قبل النائب إلياس بوصعب، في إشارة إلى الأجواء التي رافقت الاجتماعات الأخيرة المتعلقة باستثناء الشيخ أحمد الأسير والموقوفين الإسلاميين من قانون العفو العام.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن البنود التي كانت مطروحة "جاءت مفخخة"، معتبرًا أنها استهدفت الشيخ الأسير وعددًا من الشبان، الأمر الذي تسبب بحالة غضب واسعة داخل الشارع السني، وأدى إلى تحركات شعبية احتجاجية خلال الأيام الماضية.
وأكد أن هذه التحركات "ليست فتنة طائفية كما يحاول البعض تصويرها"، بل هي "ردة فعل على قرارات نعتبرها نابعة من الحقد والكيدية"، مضيفًا أن ما وصفه بتحريك أهالي العسكريين عبر وسائل الإعلام، إلى جانب الأجواء السياسية والإعلامية التي أُثيرت، هو الذي ساهم في تأجيج التوترات.
وأشار إلى أن التحركات الشعبية الأخيرة حققت نتائج ملموسة، ونجحت في إيصال رسالة واضحة إلى السلطة السياسية، مفادها أن الشارع السني لن يقبل بالتعامل معه على أساس أنه غير قادر على الاعتراض أو التأثير.
وأضاف أن "الشارع السني بدأ يقول كلمته على الأرض"، معتبرًا أن هناك شعورًا واسعًا داخل الطائفة السنية بأنها "مغبونة"، في ظل غياب تمثيل سياسي فاعل يعكس مطالبها الحقيقية، بحسب قوله.
وفي ما يتعلق بمواقف عدد من النواب السنة، رأى البوبو أن التحركات الشعبية دفعت بعضهم إلى إعادة النظر في مواقفهم، مشيرًا إلى أن بعض النواب الذين شاركوا في الاجتماعات السياسية الأخيرة عادوا لاحقًا إلى إصدار مواقف توضيحية وتبريرية.
وقال إن النواب أبلغوا المعترضين سابقًا بأنهم سيتخذون موقفًا إذا تبين أن القانون المطروح لا يشمل الموقوفين الإسلاميين أو يحمل ظلمًا بحقهم، إلا أن ما جرى لاحقًا، وفق تعبيره، كان “توافقًا سياسيًا” أدى إلى تمرير أجواء إيجابية حول القانون من دون الأخذ بمطالب المعنيين بالقضية.
وعن مستقبل ملف الشيخ أحمد الأسير، اعتبر البوبو أن القضية "لم تعد محصورة بمدينة صيدا أو بالشارع السني فقط"، لافتًا إلى وجود دعم سياسي وإعلامي من شخصيات وجهات محسوبة على كتل وأحزاب، إضافة إلى إعلاميين وصحفيين من خارج الطائفة السنية، قال إنهم باتوا يعتبرون الأسير "مظلومًا" و"مقاومًا لبنانيًا"، وفق توصيفه.
وأشار إلى أن الحل الأنسب للقضية يتمثل في معالجة ملف الشيخ الأسير أمام محكمة التمييز، معتبرًا أن إطلاق سراحه بعد نحو 15 عامًا من التوقيف من شأنه أن يطوي صفحة التوترات القائمة وينهي حالة الاحتقان.
وأكد أن المطالب الحالية لا تتركز على إقرار عفو عام بقدر ما ترتبط بتطبيق القانون بشكل عادل، معتبرًا أن "الظلم ازداد خلال السنوات الماضية"، وأن المحكمة العسكرية برئاسة منير شحادة تتحمل جزءًا كبيرًا من مسؤولية ما آلت إليه الأمور.
كما انتقد ما وصفه بتشدد الدولة في التعاطي مع الملف، معتبرًا أن استمرار الأزمة "لا يمكن تبريره منطقيًا أو قانونيًا"، مستشهدًا بمواقف إعلامية وقانونية، لا سيما موقف القاضي بيتر جرمانوس، التي اعتبرت أن أداء الدولة في هذا الملف يحمل طابع "الاستقواء".
وفي سياق حديثه عن المرجعيات الدينية والسياسية السنية، أعرب البوبو عن أمله في أن يتخذ مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان موقفًا "حاسمًا وواضحًا"، مشددًا على أن موقع دار الفتوى يتطلب تحركًا مباشرًا مع المسؤولين اللبنانيين، وفي مقدمهم رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة، من أجل إنهاء هذا الملف.
وشدد على أن أي تراجع من المرجعيات السياسية أو الدينية عن متابعة القضية سيُفسر على أنه رفعٌ للغطاء السياسي عن الموقوفين، معتبرًا أن ذلك ينعكس مباشرة على طريقة تعامل السلطة مع هذا الملف.
يبقى ملف موقوفي عبرا مفتوحًا على احتمالات عدة بانتظار الحل الجذري، وإلا فإن التحركات الشعبية والضغوط السياسية ستتواصل، الأمر الذي قد ينذر بتوترات في الشارع.
لكن، والحق يقال، آن الأوان لأن تسلك قضية الشيخ أحمد الأسير طريقها نحو الحل المنشود، بعدما أمضى الرجل كل تلك السنوات في السجن على خلفية قضية بات واضحًا للقاصي والداني أنها فُبركت له، وزُج به وبرفاقه في معركة لم يُردها ولم يخطط لها.