May 21, 2026   Beirut  °C
تربية

الأقساط المدرسية تطرق أبواب الـ40%… والأهالي يلوّحون بالمواجهة

وكأن ما يرزح تحته المواطن اللبناني من ضغوط حياتية يومية، نتيجة الواقع المأزوم الذي تعيشه البلاد على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والمالية منذ أزمة العام 2019، لا يكفي، فضلا عن التدهور الأمني الناجم عن الحرب مع إسرائيل، حتى عاد الملف التربوي ليشكل عبئا إضافيا يثقل كاهل أهالي التلامذة في المدارس الخاصة.

فقد تُداولت، في الآونة الأخيرة، معلومات عن توجه عدد من المدارس الخاصة إلى رفع أقساطها بنسبة قد تصل إلى 40% مع بداية العام الدراسي المقبل، في وقت يرزح فيه الأهالي أصلا تحت وطأة الأعباء المالية، ويسددون الأقساط بشق النفس.

فكيف سيكون موقف لجان الأهل من هذه الزيادات؟ وهل سترضخ لما قد يفرض عليها؟ وفي المقابل، كيف تبرر إدارات المدارس الخاصة القيام بهذه الخطوة؟ وهل تدرك أن رفع الأقساط بهذه النسب قد يدفع أعدادا كبيرة من التلامذة إلى الانتقال نحو المدارس الرسمية، نتيجة عدم قدرة ذويهم على تحمل الأكلاف الجديدة؟


وفي محاولة لاستطلاع مختلف وجهات النظر حيال أزمة الأقساط المرتقبة، استمزجت مِنصة "بالعربي" آراء رئيسة اتحاد لجان الأهل في المدارس الخاصة لمى طويل، والمديرة العامة لإدارة الشؤون التربوية في جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية الدكتورة غنى البدوي، حول أسباب وتداعيات هذه الزيادات وإمكان انتقال أعداد إضافية من التلامذة إلى التعليم الرسمي.


طويل: نحو إنشاء "مجلس تربوي تحكيمي" لإنصاف الأهل

بداية، قالت رئيسة اتحاد لجان الأهل في المدارس الخاصة لمى طويل إن تداعيات هذا الملف على أهالي التلامذة والتلامذة أنفسهم تتفاقم يوما بعد يوم، خصوصا في ظل الارتفاع المستمر في الأقساط المدرسية بعد العام 2019، والتي عادت خلال العام الماضي إلى مستويات ما قبل الأزمة بل وتجاوزتها في بعض الحالات، مشيرة إلى أن الأهالي يعانون اليوم من ضغوط مالية متزايدة في وقت لم تتحسن فيه الأوضاع الاقتصادية بالشكل الكافي، بينما تتواصل الزيادات في الأقساط بشكل متسارع.


وقالت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن المعلمين يطالبون بحقوقهم المحقة، إلا أن جزءا من الإدارات التربوية بات يبرر زيادات قد تصل إلى 40% تحت هذا العنوان، من دون وجود رقابة فعلية من وزارة التربية على آليات احتساب هذه الزيادات أو على الموازنات المدرسية، معتبرة أن هذا الواقع يضع الأهالي في مواجهة مباشرة مع إدارات المدارس الخاصة، بما فيها مدارس كاثوليكية وإنجيلية وغيرها، وكأن هذه المؤسسات منفصلة عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد.


وحذرت طويل من أن استمرار هذا النهج قد يعيد إنتاج مشهد ما بعد العام 2019، حيث ارتفعت نسب التسرب المدرسي بشكل كبير، وهو ما يشكل خطرا اجتماعيا واسعا، لافتة إلى أن هذا التسرب لا يقتصر على الانقطاع عن التعليم فحسب، بل يدفع بعض التلامذة إلى سوق العمل في سن مبكرة، ما ينعكس على استقرار العائلات، كما قد يؤدي إلى انخراط بعضهم في بيئات غير مضبوطة أو غير معروفة الأهداف، في ظل غياب الرقابة الرسمية الكافية.


وأكدت أن الأهالي يعيشون تحت ضغط دائم، إذ لم تسجل أي سنة من السنوات الأخيرة من دون زيادات على الأقساط، وغالبا ما تستخدم مسألة تسجيل التلامذة أو حجب العلامات كوسيلة ضغط على الأهل عند الاعتراض أو التأخر في الدفع، معتبرة أن هذا الأسلوب يشكل تهديدا مباشرا للحق في التعليم.


وفي ما يتعلق بآليات المواجهة، أوضحت طويل أن الاتحاد سعى منذ ما قبل العام 2019 إلى إنشاء ما يشبه القضاء التربوي أو المجلس التحكيمي التربوي، وقد شُكل فعليا هذا المجلس أخيرا بعد تأخير طويل، وأصبح مكتمل الأعضاء منذ أيام قليلة فقط، معتبرة أن هذه الخطوة تشكل مدخلا أساسيا لإنصاف الأهالي والحد من التجاوزات.


وأشارت إلى أن الأهالي بات بإمكانهم اللجوء إلى هذا المجلس للطعن في الزيادات ورفع دعاوى تتعلق بالموازنات المدرسية، مع المطالبة بتدقيق مالي شامل.


الأقساط المدرسية تطرق أبواب الـ40%… والأهالي يلوّحون بالمواجهة
البدوي: لحوار يجمع الأهل وإدارات المدارس حول ملف الأقساط

من جهتها، أشارت المديرة العامة لإدارة الشؤون التربوية في جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية الدكتورة غنى البدوي إلى أن عملية احتساب الأقساط المدرسية تحتاج إلى قراءة دقيقة لكل مؤسسة على حدة، موضحة أن هذا الأمر يحصل وفق دراسة مفصلة لموازنة كل مدرسة تشمل النفقات التشغيلية ورواتب المعلمين والنفقات الرأسمالية إضافة إلى الإيرادات المتاحة. وشددت على أن أي زيادة لا تكون اعتباطية بل مبنية على أرقام واضحة وعدد التلامذة وحجم التكاليف.


وأكدت عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن التوجه العام في جمعية المقاصد ليس نحو زيادات كبيرة في الأقساط بل نحو ضبطها قدر الإمكان حتى لو استدعى الأمر الحد من أي زيادات إضافية في ظل الأعباء الاقتصادية الحالية، مشيرة إلى أن الجمعية تقدم دعما للتلاتذة طلاب المتعسرين. وأوضحت أنه خلال العام الماضي وزّعت مساعدات تقارب 2.5 مليون دولار، إلا أن الطلبات المتزايدة من الأهالي والتي وصلت إلى آلاف الطلبات تجعل نسب الدعم محدودة لكل حالة.


وقالت البدوي إن الجمعية تتوقع زيادة في حجم المساعدات بنسبة تقارب 25% خلال العام المقبل بسبب تزايد الحاجة وتراجع القدرة الشرائية للأهالي، معتبرة أن الوضع الاقتصادي في البلاد يفرض ضغوطا كبيرة على القطاع التربوي.


وفي ما يتعلق بإمكان رفع الأقساط إلى مستويات مرتفعة كما يُطرح في بعض المؤسسات، فشددت على أنها لا يمكن أن تحكم على قرارات المؤسسات الأخرى، لافتة، في وقت عينه، إلى أن معظم المدارس في لبنان لم تعد إلى مستويات الأقساط ما قبل أزمة العام 2019، في حين ارتفعت التكاليف بشكل كبير نتيجة التحول إلى الاقتصاد الدولاري.


وأكدت البدوي أن المؤسسات التربوية الخاصة على الرغم من الضغوط تؤدي دورا أساسيا في استمرار التعليم، خصوصا في المناطق التي تعاني من ضعف في الخدمات الرسمية، معتبرة أن الحل لا يكون بالمواجهة بل بالحوار بين الأهل وإدارات المدارس للوصول إلى توازن يحافظ على استمرارية التعليم.


في الخلاصة، يمكن فهم أن لبعض المدارس الخاصة اعتبارات قد تكون محقة في ما يتعلق برفع أقساطها المدرسية، إذا كان الأمر يحصل بشكل مدروس ومتوازن. غير أن تحول التعليم لدى بعض المؤسسات التربوية إلى تجارة تقوم على الربح غير المسؤول يخرج عن الرسالة التي أنشئت هذه المؤسسات من أجلها. ومع ذلك، وللأمانة، تبقى جمعية المقاصد من المؤسسات اللبنانية التي يشهد لها تاريخنا الحديث بأنها سارت في نهجها التربوي، واضعة في المقام الأول خدمة المجتمع والإنسان اللبناني، مع مراعاة الظروف الاجتماعية لأولياء أمور تلامذتها.

الأقساط المدرسية تطرق أبواب الـ40%… والأهالي يلوّحون بالمواجهة
الأقساط المدرسية تطرق أبواب الـ40%… والأهالي يلوّحون بالمواجهة - 1
الأقساط المدرسية تطرق أبواب الـ40%… والأهالي يلوّحون بالمواجهة - 2