May 13, 2026   Beirut  °C
تربية

إدغار طرابلسي يكشف لمنصة "بالعربي": البريفيه إلى الإلغاء… والبكالوريا أمام تغييرات جذرية

يتأرجح الواقع التربوي في لبنان بين محطات من الاستقرار النسبي ومراحل من عدم الثبات، في ظل سلسلة أزمات متلاحقة يشهدها البلد منذ عام 2019 حتى اليوم.

فقد انعكست هذه الأزمات، سواء الصحية منها مع جائحة كورونا، أو الأمنية والاجتماعية مع تداعيات حرب 2023 - 2025 والحرب الراهنة، إضافة إلى الإضرابات المتكررة للأساتذة، بشكل مباشر على انتظام العملية التعليمية، ما أدى إلى تراجع حضور الطلاب إلى مقاعد الدراسة وتعثر إجراء الامتحانات وفق الروزنامة المعتادة.

ومع اقتراب موعد الامتحانات الرسمية مجددًا، تعود هذه الإشكالية إلى الواجهة في ظل أزمة نزوح واسعة طالت مئات الآلاف من الطلاب، حيث تابع قسم كبير منهم تعليمهم عن بُعد، في حين تمكن آخرون من الالتزام بالحضور المدرسي خلال فترات متفاوتة من الاضطرابات، ما خلق تفاوتًا واضحًا في مستوى الجهوزية بين الطلاب. ويطرح هذا الواقع تحديات جدية أمام وزارة التربية لناحية ضمان العدالة وتكافؤ الفرص في الاستحقاقات التربوية المقبلة.


وقد برزت جهود وزيرة التربية الدكتورة ريما كرامي في محاولة استباق الأزمة واقتراح حلول عملية، حيث تشير المعلومات إلى توجه نحو اعتماد العلامات المدرسية في شهادة البريفيه، في حين لا يزال النقاش مفتوحًا حول آلية امتحانات البكالوريا بين خيار إجراء دورتين أو ثلاث، مقابل ضغوط تدفع باتجاه اعتماد المنهج الذي تم تدريسه حتى نهاية شباط الماضي، بما يراعي الفروقات في إتمام المناهج بين المدارس.


وفي متابعة لهذا الملف التربوي الذي بات يلقي بثقله على كاهل الطلاب وذويهم، استوضحت منصة "بالعربي" رأي مقرر لجنة التربية النيابية، النائب الدكتور إدغار طرابلسي، الذي أشار إلى أن المقترحات المطروحة تعكس مرحلة انتقالية في التفكير التربوي، مشيدًا بتجاوب وزيرة التربية الدكتورة ريما كرامي مع النداءات المتكررة، خصوصًا في ما يتعلق بملف الامتحان الرسمي الموحد لشهادة البريفيه لهذا العام.


وأوضح أن التوجه نحو إلغاء النموذج التقليدي لهذه الشهادة واعتماد آليات تقييم أكثر حداثة يشكل خطوة متقدمة على مستوى تطوير النظام التربوي، بغض النظر عن الظروف السياسية أو الأمنية، مؤكدًا أن الهدف هو الوصول إلى نظام تقييم أكثر ملاءمة للتطور الأكاديمي العالمي.


وأشار إلى أنه سبق أن تقدم باقتراح قانون في شهر تشرين الأول الماضي يهدف إلى إلغاء الشكل الحالي لشهادة البريفيه، موضحًا أن وزارة التربية لم تصدر بعد ملاحظاتها الرسمية بشأنه، رغم المتابعة الحثيثة في هذا الملف.


وأضاف أنه تلقى وعدًا من وزيرة التربية بأن الملاحظات على اقتراحه، إضافة إلى اقتراحات مقدمة من جانبه ومن النائبين عماد الحوت وعدنان طرابلسي، ستصدر قريبًا، بما يتيح فتح نقاش جدي حول مستقبل هذه الشهادة. ولفت إلى أن التوجه العام يسير نحو إنهاء العمل بالشكل التقليدي للبريفيه، واعتماد التقييم المدرسي بدلًا منه، معتبرًا أن هذا المسار أكثر واقعية في ظل التحديات القائمة، وأن تطبيقه هذا العام بإشراف وزارة التربية يشكل تجربة يمكن البناء عليها مستقبلاًً


وفي ما يتعلق بملف البكالوريا، وصف طرابلسي هذا الموضوع بأنه من أبرز القضايا التربوية المطروحة حاليًا، نظرًا لما يسببه من ضغط نفسي على الطلاب وأهاليهم. وأوضح أن النقاشات التي جرت مع وزارة التربية تضمنت طرحًا يقضي بتنظيم امتحانات البكالوريا على ثلاث دورات، بحيث يختار الطالب موعد تقديمه وفق جهوزيته، على أن يستكمل ما تبقى من مواد في دورات لاحقة. واعتبر أن هذا الطرح يعكس إلى حد ما رغبة بعض المدارس الخاصة في المناطق التي لم تتأثر بشكل مباشر بالأوضاع الأمنية، في حين أن مناطق أخرى تعاني من ظروف مختلفة نتيجة الأوضاع العامة.


وأضاف أن هذا الاقتراح يثير إشكاليات تتعلق بالمساواة بين الطلاب، إذ لا يمكن ضمان إجراء جميع الدورات في حال حدوث أي طارئ جديد، ما قد يؤدي إلى عدم تكافؤ الفرص بين المتعلمين. وشدد على أن الدستور يضمن المساواة، وأن النظام التربوي يجب أن يحافظ على هذا المبدأ. كما تساءل عن إمكانية وجود أكثر من مستوى للبكالوريا بحسب المناطق أو الظروف، معتبرًا أن هذا الأمر غير مقبول وطنيًا وتربويًا، وأن المطلوب هو اعتماد شهادة موحدة لجميع الطلاب في لبنان من دون تمييز.


وفي ما يخص الحلول المطروحة، أشار إلى أن الوزارة كانت تعتزم الإعلان عن موعد انتهاء العام الدراسي، مع احتمال تمديده لفترة قصيرة بهدف استكمال المواد المتبقية، على أن يتم تحديد سقف زمني مرتبط بمواعيد التقديم إلى الجامعات في لبنان والخارج. وبناء على ذلك، يتم إعداد امتحان موحد يعتمد على ما تم تدريسه فعلياً من المنهاج، مع إدخال أسئلة متعددة الخيارات، بحيث يتمكن الطلاب الذين أنجزوا كامل المنهج أو جزءاً منه من الإجابة وفق قدراتهم.


وأكد طرابلسي أن هذا الاقتراح ليس وليد اللحظة، بل هو طرح قديم يقدمه منذ سنوات، انطلاقًا من قناعة بضرورة مواكبة التطور الأكاديمي العالمي، مشيرًا إلى أن معظم الشهادات الأجنبية المعتمدة في لبنان تعتمد نظام الأسئلة المتعددة الخيارات، في حين أن البكالوريا الوطنية ما زالت تعتمد نمطًا تقليديًا. واعتبر أن هذا الواقع يستدعي إعادة نظر شاملة في أسلوب التقييم، بما يواكب المعايير الحديثة في التعليم.


وأوضح أن هناك مقاومة لهذا التوجه من بعض الجهات التربوية التقليدية ومن بعض الإدارات في المدارس الخاصة، إضافة إلى وجود مقاربات مختلفة داخل وزارة التربية نفسها، ما يجعل عملية الإصلاح أكثر تعقيدًا. وأكد أنه لا يوجد خيار سوى التوجه نحو اعتماد بكالوريا موحدة أو الاكتفاء بالتقييم المدرسي المعدل، مع رفض نظام الإفادات كبديل نهائي، لأنه لا يحفظ قيمة الشهادة الثانوية في لبنان.


كما أشار إلى أن فرضيات الأوضاع الأمنية غير المستقرة تزيد من صعوبة تنظيم الامتحانات الرسمية، ما يجعل خيار إعادة النظر في النظام التربوي أكثر إلحاحًا، خصوصًا في ظل الأعباء المالية الكبيرة التي تتحملها الدولة لتنظيم الامتحانات، من خلال تأمين القوى الأمنية وتغطية نفقات الأساتذة واللجان.


وختم مؤكدًا أن النقاش لم يعد يقتصر على تعديلات ظرفية، بل بات يتجه نحو ضرورة إعادة صياغة شاملة لنظام الامتحانات الرسمية في لبنان، بما يضمن الكفاءة والعدالة ويخفف الأعباء عن الدولة والطلاب على حد سواء.


وفي ظل هذا المشهد المتقلب، يبقى الطلاب في لبنان الحلقة الأضعف، يعيشون حالة مستمرة من الضياع وعدم الاستقرار النفسي والتربوي نتيجة الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالبلاد. ومع غياب رؤية ثابتة وواضحة للمسار التعليمي، تتزايد المخاوف من انعكاس هذه الظروف سلبًا على مستوى التحصيل العلمي وجودة التعليم، ما يهدد مستقبل جيل كامل يواجه تحديات استثنائية في أكثر المراحل حساسية من حياته الأكاديمية.