في السنوات الماضية شهد لبنان حوادث استدراج وابتزاز عبر منصات التواصل، ما أثار مطالبات بحماية القاصرين وتنظيم الفضاء الرقمي. وفي حين سعت دول أوروبية وأسترالية إلى تنظيم استخدام الأطفال والمراهقين لوسائل التواصل الاجتماعي ووضع حد للعمر الأدنى للتسجيل، يبدو أن لبنان بدأ يحذو حذو هذه الدول في محاولة لحماية الفئات العمرية الأصغر من المخاطر الرقمية.
استجابة لهذه الحاجة، أعلن النائب طوني فرنجيه عن اقتراح قانون يحدّد السن بـ14 سنة، فيما قدّم النائب فيصل كرامي اقتراحًا مشابهًا يرفع الحد إلى 16 سنة، مؤكدًا أن الهدف واحد والمسؤولية واحدة: تنظيم الفضاء الرقمي بما يحمي القاصرين.
ويطرح هذا التحرك سؤالًا رئيسيًا: هل يمتلك لبنان القدرة على تطبيق هذا القانون بفعالية وهل ستتوافر الإرادة السياسية والتنظيمية اللازمة لضمان حماية الأطفال والمراهقين في المرحلة الحساسةِ من حياتهم؟
في هذا الإطار، أكد النائب فيصل كرامي أن حماية الأطفال في البيئة الرقمية ليست ترفًا تشريعيًا، بل واجب وطني يتطلب خطوات واضحة لتنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بين القاصرين.
وأشار عَبرَ مِنصّة "بالعربي" إلى أن حماية الطفولة يجب أن تكون أولوية وأن اقتراح القانون الذي قدّمه منذ نحو الأسبوعين جاء من منطلق قناعة راسخة بهذا الواجب، وليس لمجاراة أي طرف سياسي، مشيرًا إلى أنّ النائب طوني فرنجيه تقدّم بعده باقتراح يحدّد السن بـ14 سنة، بينما حدّده هو بـ16 سنة، في حين يبقى جوهر المسألة، الهدف والمسؤولية واحدة: تنظيم الفضاء الرقمي بما يحمي القاصرين.
وأوضح كرامي أن فرص تطبيق القانون مرتبطة بجدّية المجلس النيابي والحكومة في التعامل مع المخاطر الرقمية المستجدّة، خصوصًا في ظلِّ تزايد الحوادث المتعلقة بالتنمّر الإلكتروني، الابتزاز والإدمان الرقمي، مؤكِّدًا أن القانون ليس مجرد نص شكلي، بل إطار تنظيمي قابل للتنفيذ إذا توفرت الإرادة السياسية والرقابية.
وبيّن أن الاقتراح لا يقتصر على تحديد السن، بل يلزم المنصات الرقمية باعتماد آليات تحقق فعالة من العمر، سواء عبر التحقق المزدوج أو الربط بأنظمة تعريف رقمية أو اعتماد موافقة الأهل الموثّقة للفئات العمرية المسموح بها، مشيرًا إلى أن لبنان قادر تقنيًا على تبني نموذج مشابه للتجارب الدولية في دول مثل أستراليا، البرتغال وإسبانيا، شريطة التعاون بين وزارة الاتصالات، الهيئات الناظمة ومزوّدي خدمات الإنترنت وفرض التزامات واضحة على الشركات المالكة للمنصات.
وأوضح كرامي أنّ القانون يضع إطارًا أساسيًا، لكن تطبيقُه يتطلّب شراكة فعّالة بين الدولة والقطاع الخاص ضمن معايير تحترم الخصوصية وتحمي البيانات من أي إساءة استخدام. وأفاد بأن الدراسات العالمية ربطت الاستخدام غير المنظّم لوسائل التواصل بارتفاع معدلات القلق، الاكتئاب، اضطرابات النوم وتراجع التحصيل الدراسي لدى المراهقين، مشددًا على أن الهدف ليس عزل الشباب عن التكنولوجيا، بل تنظيم استخدامها في خلال مرحلة تكوينهم النفسي والاجتماعي.
ولفت إلى أنّ سن السادسة عشرة ليس اختيارًا اعتباطيًا، بل مرحلة انتقالية يصبح فيها المراهق أكثر قدرة على التمييز وتحمل المسؤولية، مُبيِّنًا أَنَّ القانون يهدف إلى تأخير الانخراط غير المنضبط في بيئة رقمية مليئة بالمخاطر مثل المحتوى غير الملائم، التنمّر، الاستغلال والضغوط الاجتماعية المفرطة.
وأشار كرامي إلى التحديات المحتملة، من مقاومة بعض المنصات العالمية للقيود العمرية الصارمة إلى الحاجة لتقبّل الأهالي للفكرة، خصوصًا في بيئة اعتادت الاستخدام المبكر للأجهزة الذكية، مشددًا على أن الاقتراح يعتمد مقاربة تدريجية تبدأ بفرض التزامات واضحة على المنصات ضمن مهلة زمنية محددة، تليها أو تتزامن معها حملات توعية وطنية بالتعاون مع وزارة التربية والمدارس، بالإضافة إلى فرض غرامات أو قيود على أي منصة لا تلتزم بالضوابط المعتمدة داخل لبنان.
وأكَّدَ على أن التنفيذ يحتاج لتوازن بين الصرامة القانونية والوعي المجتمعي وأن النص وحده لا يكفي، بل يجب أن يواكبه تغيير في الثقافة الرقمية، لافتًا إلى أن الاقتراح يتضمن بندًا يفرض على الحكومة أن تقوم بتقييم دوري كل سنتين لقياس أثر القانون على سلوك المراهقين ومؤشرات الصحة النفسية والتعليمية، مع إمكانِ تعديل الآليات أو السن إذا أثبتت التجربة الحاجة لذلك.
وقال كرامي: التشريع في القضايا الرقمية يجب أن يكون ديناميكيًا وقابل للتطوير وأنّ القانون ليس مواجهةً للتكنولوجيا أو سباقًا سياسيًا، بل خطوة لوضع لبنان في مسارٍ يحمي أطفاله ويؤكد أنّ الدولة لا تبقى متفرجة أمام تحولات رقمية عميقة تمس أجيالها المقبلة.