لسنواتٍ طِوال، بقيت الشهادة المتوسّطة أو "البريفيه"، محور جدل مستمر في لبنان. وزاراتٌ متعاقبة وعدت بإلغائها أو استبدالها بآليات تقييمٍ حديثة، لكن على أرض الواقع لم يَحصل أي تغييرٍ جذري وبقيت الشهادة معتمدة كما هي، بلا خطّة واضحة وبلا معايير موحّدة تُطبّق على كل المدارس الرسمية والخاصة.
واليوم، مع اقتراب موعد الامتحانات الرسمية، ينقسم الشارع بين أصوات تطالب بإلغائها وأخرى تتمسّك ببقائها، فيما يواجه التلامِذَة ضغوطًا نفسية وأكاديمية، وتجد المدارس نفسَها أمام تحديات مالية وتنظيمية متزايدة، مما يزيد من الضبابية حول مستقبل هذه الشهادة ودورها الفعلي في المسار التعليمي، في انتظار القرار الذي ستتخذه وزيرة التربية.
في هذا السياق، أكدت رئيسة رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الرسمي الدكتورة نسرين شاهين أنّ الانقسام بالرأي حول إلغاء الشهادة المتوسطة في لبنان أمر طبيعي، لأنه يعكس وجهتي نظر متباينتين.
وأَشَارَت عَبرَ مِنصّة "بالعربي" إلى أَنَّ من يتمسّك ببقاء الشهادة يعتبرها محطة تعليمية أساسية ومن جهة أخرى هناك من يرى أنّ إلغاءَها أصبح ضرورة، لا سيما وأنّ الشهادة، في ظل التطور الأكاديمي وظهور شهاداتٍ عليا واختصاصات عِدَّة، أصبحت فقط عبئًا نفسيًا على التَّلامِذَة وعبئًا ماليًا على وزارة التربية، مِن دُونِ تحقيق فائدة تعليمية ملموسة.
وأوضحت شاهين أَنَّ المشكلة الأساسية تكمن في غياب بديل حقيقي وموحّد للشهادة، سواء كان امتحانًا موحدًا أو آلية تقييم شاملة، مع ضمان إشراف ومراقبة فعلية من الوزارة على كل المدارس الرسمية والخاصة، لافِتَةً إلى أَنَّ السنوات الماضية كشفت تفاوتًا كبيرًا بين المدارس الرسمية والمدارس الخاصّة من حيث عدد الأيام التعليمية والمستوى الأكاديمي، إضافة إلى وجود مدارس خاصة لا تخضع لرقابة جدية، حيث يشكّل قسم كبير منها خطورة على مصداقية التعليم بسبب تجاوزات في تسجيل التَّلامِذَة ومنح العلامات، وهو ملف كبير ومغلق لم يُناقش بالشكل الكافي.
وشَدَّدَت على أَنَّ أَيّ قرار بإلغاء الشهادة يجب أن يقترن بتوفير بديل عملي وموثوق، وإلا فسيؤدي ذلك إلى تفلت تربوي، إذ سينتقل الطلاب من المرحلة المتوسطة إلى الثانوية وهم يعانون من فاقدٍ تعليميٍّ كبير، ما يزيد الضغط على الأهالي، المدارس والمعلمين في فترة حاسمة قبل الامتحانات، مُعتَبِرَةً أنّ هذا التفلت قد ينعكس على ضعف التحضير لدى التَّلامِذَة، خصوصًا وأَنَّ الوزارة ستتخذ قرارها في أواخر شباط، في الوقت الذي يفترض فيه أن يكون التَّلامِذَة قد بدأوا تحضيرهم الجدي للامتحانات، مشيرةً إلى أنّ هذا الأمر يضع الجميع في حالة تشرذم وارتباك.
وأَكَّدَت شاهين أَنَّ الحلّ الأنسب هو أن تتخذ وزيرة التربية قرارًا واضحًا: إما عدم إلغاء الشهادة المتوسطة أو إلغاؤها مع تقديم بديل فعّال ومراقب، مُعتَبِرَةً أَنَّ أَي بديل، سواء كان امتحانًا أو تقييمًا، يجب أن يُنفّذ تحت إشراف وزارة التربية، لتفادي ترك المدارس تحدد الطريقة بمفردها، ما قد يؤدي إلى تفاوت في النتائج وإرهاق التَّلامِذَة أَكَادِيمِيًّا.