March 05, 2026   Beirut  °C
أمن وقضاء

السجون اللبنانية: أزمة قد تنفجر في أي لحظة!

تجاوزت أزمة السجون في لبنان الحدّ العادي، إذ لا يكاد يمرّ أسبوع من دون إعلانِ وفاة أحد النزلاء، لأسبابٍ مرضية أو حالات انتحار، نتيجة الإهمال الطبي وسوء ظروف الاحتجاز، نقص الأدوية الأساسية وتعطّل المحاكمات والتوقيفات الطويلة التي حوّلت الاحتجاز الاحترازي إلى عقوبةٍ مفتوحة الأمد تتحمّل الدولة مسؤوليتها القانونية والإنسانية كاملة. هذه الظروف القاسية دفعت عددًا من السجناء إلى إعلان إضرابهم عن الطعام كخطوةِ ضغطٍ احتجاجية، داعين أهاليهم إلى التحرك والقيام باعتصاماتٍ لدعم مطالبهم، في محاولة لكسرِ جدار الصمت ولفت الأنظار إلى الأزمة المتفاقمة.

ومع تزايد هذه الأحداث، يتساءل الجميع: إلى متى سيستمر هذا التلكؤ القضائي فيما تتفاقم الأوضاع داخل السجون، وتستمر المعاناة من الاكتظاظ وسوء الرعاية الصحية، من دون أن تتحمّل الدولة مسؤولياتها الكاملة تجاه حقوق السجناء وكرامتهم الإنسانية؟

في هذا السياق، أكد النائب ملحم خلف أَنَّ واقع السجون في لبنان وصل إلى مرحلة حرجة وخطيرة، مشيرًا إلى أن البيان الصادر من داخل السجون يعكس مرارة الواقع ووجود إخلال بضمان الحق في الحياة، الرعاية الصحية والمعاملة الإنسانية، وهي حقوق أساسية غير قابلة للتقييد أو التعليق تحت أي ذريعة، مبيّنًا أنهم دائمًا كانوا يرفعون الصوت بشأن أوضاع السجون الحرجة.

 

وأوضح عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّ الاكتظاظ المفرط وتداعياته، غياب الرعاية الطبية المنتظمة، النقص الحاد في الأدوية والتأخير في إسعاف الحالات الحرجة، تشكّل مجتمعةً بيئة احتجاز قاسية ولا إنسانية، ترقى إلى مستوى المعاملة اللاإنسانية أو المهينة المحظورة بموجب الدستور اللبناني، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والقواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا).

 

وأشار خلف إلى أن هذا الواقع يستوجب اعتماد تدخّل عاجل وشفاف من الدولة، عبر إقرار خطة وطنية متكاملة تُنفَّذ تدريجيًا وعلى مراحل، لتضع حدًا لهذا الوضع المخالف للقانون ولأبسط معايير الكرامة الإنسانية.

 

وحمّل الدولة مسؤولية حالات الوفيات الأسبوعية في السجون، سواءَ كانت نتيجة الإهمال الطبي أو الانتحار، مشدّدًا على ضرورة التمييز القانوني بين الحالتين، بحيث تختلف المسؤولية في كلٍّ منهما.

 

وأفاد خلف بأنّه من الواجب أن تترافق أي وفاة طبيعية مع بيان رسمي يحدد سبب الوفاة استنادًا إلى تقرير طبي شرعي مستقل، مع الإفصاح عن توقيت طلب العلاج، نوع الرعاية المقدّمة وظروف نقل السجين إن وُجدت، وذلك منعًا لأي التباس.

 

ولَفَت إلى أَنَّ حالات الانتحار لا تلغي مسؤولية الدولة، إذ يفرض القانون واجب الوقاية والحماية، لا سيما فيما يتعلق بالرعاية النفسية وتقييم المخاطر ومنع توافر وسائل الانتحار داخل أماكن الاحتجاز، موضحًا أنّ أي إعلان عن هذه الحالات يجب أن يكون شفافًا ويؤكد فتح تحقيق فوري ومستقل لتحديد الأسباب، الظروف والمسؤوليات.

 

وقال خلف إنّ إصدار بيانات مبهمة أو متسرعة أو تفتقر إلى الأساس الطبي والقانوني لا يساهم إلّا في تعميق الشكوك ويعدّ إخلالًا بواجب الشفافية، بينما يشكّل الإعلان الواضح والمستند إلى التحقيق والتقارير المختصة شرطًا أساسيًّا لاحترام حق الضحايا وذويهن وضمان المساءلة ومنع الإفلات من العقاب.

 

وبيّن أَنَّ معالجة ملف السجناء السوريين بطريقة انتقائية، بينما يبقى السجناء اللبنانيون موقوفين، تمثل استجابة ظرفية لضغوط سياسية، موضحًا أن السوريين يشكّلون أكثر من 30% من مجمل نزلاء السجون وأن حصر المعالجة بهم من دون النظر للسجناء اللبنانيين على الرَّغمِ من كونه جزءًا أساسيًّا لحل أزمة الإكتظاظ، إلا أنّه يطرح إشكالية قانونية تتصل بمبدأ عدم التمييز وتكافؤ المعاملة.

 

ونوّه خلف إلى أنّ الحل القانوني السليم والتي تقوم به الحكومة لا يكون بإجراءات استثنائية أو انتقائية، بل بإطار قضائي منظّم يقوم، من جهة، على معالجة أوضاع المحكومين والموقوفين السوريين وفق الأصول القانونية ومن جهة أخرى على إبرام اتفاق قضائي واضح بين لبنان وسوريا يتيح نقل المحكومين أو استكمال محاكماتهم، ضمن ضمانات قانونية كاملة، وبما لا يمسّ بحقوق الضحايا أو يفضي إلى الإفلات من العقاب.

 

وأوضح أَنَّ الإضراب عن الطعام من قبل السجناء يحمل دلالتين متوازيتين؛ فمن جهة يمكن اعتباره وسيلة ضغط سلمية قابلة للمعالجة إذا ما قوبل باستجابة جادّة تفتح باب الحوار حول المطالب المحقة والعادلة ومن جهة أخرى يشكّل مؤشر إنذار مبكر على حالة احتقان متراكمة داخل السجون قد تتحوّل إلى انفجار في حال تَمَّ تجاهله أو التعامل معه بسياسات القمع والتسويف، مُؤكِّدًا أن طريقة التعاطي مع هذا الإضراب في مراحله الأولى ستحدد ما إذا كان سيبقى أداة ضغط قابلة للاحتواء أم سينزلق إلى أزمة أوسع يصعب السيطرة على تداعياتها.

 

وأشار خلف إلى أن لبنان يُعَانِي من أزمة حادّة في منظومة السجون نتيجة تعطّل المحاكمات والتوسّع غير المبرّر في التوقيف الاحتياطي، ما أدّى إلى اكتظاظ خطير وانتهاك ممنهج لحقوق السجناء، لافِتًا إلى أَنَّ نقابة المحامين في بيروت نبّهت منذ سنوات إلى خطورة هذا الواقع، مطالبةً بنقل إدارة السجون إلى وزارة العدل، كما طُرحت خطط إصلاحية متكاملة، أبرزها التي قدّمها القاضي رجا أبي نادر، إلى جانب مطالبات لجنة حقوق الإنسان النيابية بحسن تطبيق القواعد الإجرائية الناظمة للتوقيف والمحاكمة.

 

وأَكَّدَ أَنَّ هذا الوضع يترتّب عليه انعكاسات قانونية مباشرة على الدولة، إذ يشكّل مساسًا بمبدأ قرينة البراءة وانتهاكًا للحق في المحاكمة العادلة ضمن مهلة معقولة ويرقى في بعض الحالات إلى احتجاز تعسفي مخالف للدستور والاتفاقيات الدولية. وقَال إِنَّ الدولة تتحمّل مسؤولية قانونية وتعويضية عن الأضرار الناتجة عن التوقيف المطوّل وظروف الاحتجاز غير الإنسانية، سواء أمام القضاء الوطني أو عبر آليات المساءلة الدولية.

 

وشَدَّدَ خلف على أَنَّ الخطوة العاجلة التي يجب أن تتخذها الدولة اليوم تشمل وضع قضية السجون والمساجين ضمن أولوياتها واعتماد خطة وطنية مرحلية للحد من المعاناة القائمة، مُوضِحًا أن الأَمر يتطلّب اتخاذ تدابير قانونية استثنائية لتخفيض أعداد الموقوفين احتياطيًا، عبر تفعيل الرقابة القضائية على شرعية التوقيف ومدده والالتزام بأن التوقيف الاحتياطي إجراء استثنائي لا يُصار إليه إلا عند الضرورة القصوى، بما في ذلك البتّ العاجل في ملفات الموقوفين الذين تجاوزوا المهَل القانونية وتطبيق بدائل التوقيف المنصوص عليها قانونًا.

 

وتَحَدَّثَ عَن ضرورة اعتماد سياسة صيانة دورية وفاعلة للمباني والعمل على إنشاء سجون حديثة تراعي المعايير القانونية والإنسانية، محذرًا، في خِتامِ حَديثِه، من أن أي تأخير أو امتناع عن اتخاذ هذه الإجراءات يعرّض الدولة لمسؤولية قانونية مباشرة ويشكّل إخلالًا بالتزاماتها الدستورية والمعايير الدولية الملزمة في مجال حقوق الإنسان.

السجون اللبنانية: أزمة قد تنفجر في أي لحظة!
السجون اللبنانية: أزمة قد تنفجر في أي لحظة! - 1