بعد كارثة سقوط المبنى في منطقة القبة في طرابلس فجر اليوم، وما أَدَّى إِليهِ مِن سقوط ضحايا من عائلة واحدة تحت الأنقاض، تعود الاسئلة القاسية لتفرض نفسها بقوة، لا سيما وأَنَّ هذه الحادثة تأتي بعد سلسلة حوادث مماثلة شهدتها المدينة في خلال الأسابيع الماضية. من يتحمل مسؤولية ما يحصل؟ ومن سينفض عن طرابلس غبار الحرمان والإهمال الذي يلازمها منذ عقود طويلة؟
الفيحاء، المدينة التي يفترض أَنَّهَا جزء لا يتجزأ من لبنان، تبدو وكأنها خارجة عن حسابات الدولة. لماذا همشت ولا تَزَال تهمش منذ فترات طويلة من الزمن؟ ولماذا يعامل أَهلها وكأنهم مواطنون من درجة ثالثة أَو أدنى، لا حقوق لهم ولا أَولَوِيَّة لسلامتهم وكرامتهم؟
وفي موازاة تقصير الدولة، يبرز سؤال لا يقل حدة حول دور كبار المتمولين وأصحاب المليارات والثروات مِن أَبناء المدينة، الذين يتصدرون لوائح الأغنى في لبنان. أَينَ هم مما تعانيه طرابلس؟ ولماذا تخلى كثيرون منهم عن واجباتهم الإنسانية تجاه أَهل مدينتهم أَم أَنَّ هؤلاء لا يرون في الفقراء سوى مشاريع انتخابية موسمية، يقدم لها الفتات قبيل كل استحقاق انتخابي في محاولة مكشوفة لخداع البسطاء؟
مما تقدم، يطرح السؤال الأكثَر إِلحَاحًا: أَلم يحن الوقت ليُحَاسِب أَهل المدينة، عبر صناديق الاقتراع، كل من غض البصر عن معاناتهم، وكل من شارك بصمته أَو تقاعسه في تكريس الحرمان والإِهمال الذي يقتل طرابلس ببطء؟
أمام هذا الواقع المأساوي، حذر النائب السابق الدكتور مصطفى علوش مِن أَنَّ غياب المعالجة الجدية من قبل الدولة والمسؤولين سيؤدي حَتمًا إِلى كوارث إِضَافِيَّة ومزيد من الخسائر البشرية في طرابلس، مُؤَكِّدًا أَنَّ ما يحصل هو نتيجة مباشرة لِلإهمال المتراكم منذ عقود طويلة.
وأَوضَحَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّ هذا الإِهمَال المزمن لا يمكن معالجته بشكل بسيط أَو فوري، بل يتطلب وضع الأُمُور على سكة هندسية وإِنسانية جديدة، من شأنها على الأَقَلّ التقليل من حجم الأَخطار.
وأَشَارَ علوش إلى وُجُودِ تقدير مشترك قامَت بِهِ نقابة المهندسين بالتعاون مع البلدية يؤكِّدُ أَنَّ هُنَاكَ عَدَدًا كَبِيرًا من البيوت والأبنية الآيلة للسقوط بشكل جدي، مُبَيِّنًا أَنَّ عَدَدَهَا يُقَدَّر بالالف على الأَقَلّ، مع وجود تقديرات تشير إلى أَرقَامٍ أَعلى.
ولَفَت إلى أَنَّ معالجة هذه الأَبنية تحتاج إلى تَدَخُّلٍ أَوَّلِيّ بكلفة تقدر بنحو 10 ملايين دولار، وهو مبلغ ليس كبيرًا مقارنة بحجم المخاطر، لكنه يتطلب توافر الدعم وضمان وصوله الفعلي إلى المواقع المعنية.
واعتَبَرَ علوش أنَّ الإِشكال الأَكبَر لا يقتصر على أَعمَالِ الترميم، بل يتمثل في مصير العائلات التي تقطن هذه الأَبنِيَة، إِذ إِنَّ عملية الإِصلاح، على الرَّغمِ مِن كونها ممكنة وواقعية، تحتاج إلى وَقتٍ قد يمتد لِأَشهُرٍ عِدَّة في حال انطلقت فِعلِيًّا، ما يستدعي توفير سكن بديل في خلال هذه الفترة.
وأَكَّدَ أَنَّ هذا العبء يُضَافُ إلى أَعبَاء أُخرى يُعَانِي مِنهَا البَلَد، حيث يوجد مئات الالاف من المواطنين الذين يقيمون خارج منازلهم بسبب الاعتداءات الإسرائيلية وخطورة الأوضاع، مُشِيرًا إلى أَنَّ هذا الأَمِر قد يفرض أَولويات وطنية عامة، إِلَّا أَنَّ هذا المَوضوع لا يعفي الدولة من مسؤولياتها.
ودَعَا علوش إلى تَعَاوُنِ الدولة مع البلدية والمحافظة لوضع سُلَّم أَولويات واضح يبدأ بالأبنِيَة الأَكثَر خطورة، الشُّرُوع فَورًا بِمُعَالَجَتِهَا وإيجاد البدائل المناسبة لسكانها.
وتَحَدَّثَ عَن مُعَانَاة المدينة المُستَمِرَّة مُنذُ عقود طويلة، مُذَكِّرًا بِأَنَّ طرابلس كانت توصف منذ طفولته ببئر الحرمان وأَنَّ مناطق مثل القبة، التبانة وغيرها تُعَانِي تَارِيخِيًّا مِنَ الإِهمال على مختلف المستويات، مُشَدِّدًا على أَنَّ أَيّ نِيَّة جدية لدى الدولة للمعالجة يَجِب أَن تُتَرجَم بخطوات سريعة لتفادي المزيد من خسارة الأَرواح.
وفي ما يتعلق بدور أَصحاب الثروات، لا سيما وأَنَّ عَدَدًا كَبِيرًا مِن كِبَارِ المتمولين والمليونيرات هم من أَبنَاء المدينة وعن سبب تغاضيهم عن حقوق أَهل المدينة الفقراء، أَوضَحَ علوش أَنَّ التعويل على المبادرات الفردية ليس عَمَلًا مُؤسَّسَاتِيًّا، مُعتَبِرًا أَنَّ تَبَرُّع أَصحاب الثروات من عدمه يبقى شَأنًا شَخصِيًّا لا يمكن فرضه بالقانون.
إِلَّا أَنَّهُ، في المُقَابِل، شَدَّدَ على وُجُودِ مسؤولية إِنسانية وأَخلاقية، لا سيما لدى من يترشحون للانتخابات ويسعون إلى نَيلِ ثِقَة أَهل المدينة، دَاعِيًا المواطنين إلى مُحَاسَبَةِ هؤلاء على هذا الأَساس في الاستحقاقات المقبلة.
وأَكَّدَ علوش أَنَّ بعض المساعدات المحدودة التي تقدم في خِلالِ الانتِخَابات لا يجب أَن تُنسِي الناس هذه المسؤوليات ولا أَن تعفي المقصرين من المحاسبة الشعبية.