January 20, 2026   Beirut  °C
أمن وقضاء

السّجون اللبنانية: مقبرة المحاكمات والسجناء

لم يعد خبر وفاة سجين داخل أحد السجون اللبنانية حدثًا استثنائيًا، بل بات يتكرّر بوتيرة مقلقة، مُحَوِّلًا الزّنزانات إلى مساحة مفتوحة على الإهمال واليأس. بين جدران السجون، تتراكم الملفات القضائية وتطول فترات التوقيف، فيما تتراجع الرعاية الصحية وتتآكل شروط العيش الإنساني، في مشهد يعكس انهيارًا متداخِلًا بين القضاء، الإدارة والدولة.

وفيما يُفترض أن يكون السجن مساحة للتأهيل والإصلاح، تحوّل في الواقع اللبناني إلى بيئة ضاغطة تُفاقم الأزمات النفسية والاجتماعية وتُنتج مآسي متكرّرة، في ظل اكتظاظ خانق، شلل قضائي وغياب أي سياسة رسمية متكاملة لإدارة هذا الملف. ومع هذه الأوضاع يبقى السؤال الأساسي هو إلى متى يُترك موقوفون خلف القضبان من دون البتّ بملفاتهم أو المثول أمام محاكماتهم؟ وأين الدولة من توقيف تحوّل إلى عقوبة مفتوحة دَاخِلَ السجون اللبنانية؟

أمام هذا الواقع، أوضح الصحافي القضائي يوسف دياب أنّ حادثة الوفاة الأخيرة داخل سجن رومية تندرج ضمن عشرات الحالات التي تشهدها السجون اللبنانية سنويًا، سواء نتيجة الأمراض، أو حالات انتحار، أو الإهمال في الرعاية الطبية والنظافة أو انتشار العدوى، مشيرًا إلى أنّ هذه الوقائع تعبّر عن أزمة متراكمة داخل السجون اللبنانية كافة، مُؤكِّدًا أَنَّ الوفاة الأخيرة ليست حادثة معزولة، بل صورة من صور المآسي اليومية التي يعانيها السجناء.

 

وقَالَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" إِنَّ نحو 65 إلى 70% من السجناء في لبنان هم موقوفون لم تصدر بحقهم أحكام قضائية بعد، مؤكدًا أنّ هذا الواقع يشكّل السبب الرئيسي للاكتظاظ والاختناق في السجون، سواء في رومية أو غيرها مثل طرابلس، زحلة، بعلبك وحاصبيا.

 

وأكّد دياب أَنَّ التأخير في المحاكمات، إلى جانب العشوائية في قرارات التوقيف، يفاقم الأزمة، حيث تُتّخذ أحيانًا قرارات التوقيف دون مراعاة الإنعكاسات القانونية والإنسانية على الموقوفين، ما يستدعي برأيه إعادة نظر شاملة من قبل القضاء، خُصوصًا مجلس القضاء الأعلى والمدعي العام التمييزي عبر إصدار تعميم جديد للنيابات العامة حتى لا تستعجل بالتوقيفات.

 

وفي ما يتعلّق بميزانية السجون، شَدَّدَ على أَنَّ التراجع المالي هو جزء من الأزمة الاقتصادية العامة التي تطال مختلف مؤسسات الدولة، بما فيها الإدارات الأمنية والمدنية، موضحًا أنّ هذا الانخفاض في الموارد ينعكس مباشرة على الرعاية الصحية، تأمين الأدوية وظروف المعيشة الأساسية داخل السجون. وذَكَرَ أَنَّة المنظمات الدولية والجمعيات غير الحكومية تلعب اليوم دورًا مهمًا في تقديم المساعدات الطبية والاجتماعية، ما يسد جزئيًا الفجوة الناتجة عن تقصير الدولة.

 

وتطرّق دياب إلى اعتكاف المساعدين القضائيين، معتبرًا أنّه فاقم أزمة السجون، إذ يعيق المحاكمات والجلسات المقررة ويؤخر البتّ في ملفات الموقوفين، ما يؤدي إلى تراكم الدعاوى وإطالة مدة التوقيف بشكل غير مبرّر.

 

وأوضح أنّ حادثة الانتحار الأخيرة تعبّر بوضوح عن تداعيات هذا الشلل القضائي على حياة الموقوفين، مُحَمِّلًا السلطة القضائية مسؤولية أساسية في أزمة السجون، سواء من حيث التأخير في البتّ بالدعاوى أو من حيث التوقيفات المتسرعة.

 

وأكّد دياب أنّ ما يحصل داخل السجون اللبنانية يُشكّل مأساة حقيقية للموقوفين والإدارة على حدّ سواء، إذ يتحمّل الموقوفون ظلمًا متكررًا، بينما تواجه إدارة السجون تبعات هذا الانهيار الطويل، لتصبح بدورها ضحية للوضع العام الذي وصلت إليه الدولة، موضحًا أنّ هذه المأساة مرتبطة بتقصير الدولة اللبنانية المزمنة.

 

وأَشَارَ إلى أَنَّ معالجة أزمة السجون لا تقع حصريًا على عاتق وزير العدل، معتبرًا أنّ القرار الفعلي بيد القضاء، لا سيّما النيابات العامة ومجلس القضاء الأعلى. ولَفَت إلى أنّ المدعي العام التمييزي أصدر تعاميم لتطبيق المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، التي تُلزم بإخلاء سبيل الموقوفين ضمن مُهَل مُحَدَّدَة، إِلَّا أنّ التطبيق يحصل أحيانًا بشكل استنسابي، ما يفاقم الظلم ويؤدي إلى المآسي المتكررة. كما شدّد على ضرورة إصدار قانون عفو عام مدروس وعادل، يُراعِي مختلف الفئات ويضع حَدًّا لهذه المأساة الطويلة.

السّجون اللبنانية: مقبرة المحاكمات والسجناء
السّجون اللبنانية: مقبرة المحاكمات والسجناء - 1