لم تعد أزمة السجون اللبنانية مجرّد خلل إداري أو نقص في الإمكانات، بل تحوّلت إلى واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في البلاد، في ظل اكتظاظ خانق، انهيار شبه كامل في الرعاية الصحية وتلكؤ قضائي مزمن، يضع حياة آلاف السجناء على حافة الخطر يوميًا.
فالسجن، الذي يُفترض أن يكون مساحة إصلاح وإعادة تأهيل، بات في لبنان مكانًا للموت البطيء. في سجن رومية تحديدًا، يعيش آلاف السجناء بين جدران تضيق بأجسادهم، أمراضهم وانتظارهم الطويل، بعضهم يئنّ تحت وطأة المرض وآخرون تنهكهم الأوجاع حتى الموت، فيما يقبع كثيرون لسنوات من دون محاكمة أو بتّ في ملفاتهم.
ومع تسجيل عشرات الوفيات داخل السجون في خلال العام 2025، تتكشّف صورة قاتمة لواقع يتجاوز الإهمال ليصل إلى كارثة إنسانية حقيقية، في وقت تبدو فيه الدولة اللبنانية عاجزة ماديًا ولوجستيًا عن تأمين الحد الأدنى من الحقوق الأساسية للموقوفين، من رعاية صحية، محاكمات عادلة وظروف إنسانية لائقة.
في مواجهة هذا الواقع، تتعالى صرخات الأهالي، الذين يطالبون بتحريك الملفات وتسريع الإجراءات القضائية قبل أن تتحول الزنازين إلى مقابر صامتة، في ترقّب حذر لما ستؤول إليه الأمور بعد عطلة الأعياد.
في هذا السياق، أفاد أحد سجناء رومية الشيخ عمر الأطرش بِأَنَّ عدد الوفيات داخل السجون اللبنانية بلغ نحو 43 حالة في خلال العام 2025، في مؤشر خطير على التدهور الصحي المتسارع، مُوضِحًا أَنَّ هذا الارتفاع يعود إلى عوامل عدة، أبرزها الاكتظاظ الشديد داخل السجون، سوء الرعاية الصحية وغياب المتابعة الطبية الجدية، لا سيما بعد الانهيار الاقتصادي عقب أحداث 17 تشرين 2019.
وأَشَارَ عبر مِنصّة "بالعربي" إلى أَنَّ سجن رومية، الذي يضم أكثر من أربعة آلاف سجين، كان يداوم فيه سابقًا خمسة أطباء على مدار الساعة، فيما أصبح اليوم يعتمد على طبيب مناوب واحد فقط، في ظل عجز الدولة عن تأمين الأدوية، خصوصًا للأمراض المزمنة كالسكري والضغط. ونتيجة لذلك، أصبح العبء الصحي مُلقى على عاتق السجين نفسه أو على بعض الجمعيات التي تحاول سدّ النقص بما تملكه من إمكانات محدودة.
وقَالَ الشيخ الأطرش إِنَّ الظروف المعيشية اليومية لا ترتقي إلى الحد الأدنى المطلوب، مع ضيق المساحات، ضعف التهوئة وغياب برامج التأهيل والتدريب، الأَمِر الذي يزيد من صعوبة الحياة داخل السجن ويؤثر بشكل مباشر على الصحة النفسية والجسدية للسجناء.
ونَبَّهَ إلى أَنَّ هُنَاكَ انتشارًا متزايدًا لمرض السل داخل سجن رومية منذ فترة، مع وجود مخاوف حقيقية من انتقال العدوى إلى باقي السجناء، في ظل الظروف المكتظة وصعوبة العزل، مؤكدًا أن هذه المخاطر الصحية ليست جديدة، إذ في خلال جائحة كورونا لم تُعزَل الإصابات، ما أدى إلى انتشار العدوى بين جميع السجناء، وهو درس يحذّر من تكرار السيناريو نفسه مع الأمراض المعدية الحالية.
من جهته، شَدَّدَ المُحَامي حسن كشلي هذه الظروف الصحية المتدهورة قد تتحول إلى كارثة حقيقية إذا لم تتوفر التدابير اللازمة، مُتَحَدِّثًا عَن أَهَمِيَّةِ وُجُودِ طَاقَمٍ طُبِيٍّ دَائِم مزوّد بمعدات الطوارئ، قادر على التدخل الفوري لإنقاذ حياة السجناء ومنع وقوع وفيات يمكن تفاديها.
إلى جانب الأزمة الصحية، يشكّل الواقع القضائي أحد أبرز أسباب تفاقم الكارثة داخل السجون. فَقَد لَقَت عبر مِنصّة "بالعربي" إلى أَنَّ تأخير المحاكمات هو السبب الرئيسي لاكتظاظ السجون، حيث لم يُحاكم عدد كبير من الموقوفين، بعضهم منذ أكثر من عشر سنوات، مرجعًا ذلك إلى نقص القضاة، تعطّل الجلسات وغياب آليات نقل السجناء إلى المحاكم، إضافة إلى تأثير عوامل سياسية على سير العدالة في مراحل سابقة، ما يضاعف الضغط النفسي والمعنوي على الموقوفين ويقوّض مبدأ العدالة.
وفي السياق نفسه، أشار الشيخ عمر الأطرش إلى أن التوقيف الطويل، لا سيما للذين أنهوا محكوميتهم، يضاعف الضغط النفسي على السجناء ويزيد من تدهور حالتهم الصحية والمعنوية، معتبرًا أن التدخل القضائي العاجل لم يعد خيارًا، بل ضرورة إنسانية ملحّة.
وفي ظل هذا الواقع، يطرح السجناء سلسلة مطالب قانونية وتشريعية، يراها الشيخ الأطرش ضرورية لحماية حقوقهم من دون المساس بمبدأ العدالة، من بينها تحديد سقف لأحكام المؤبد وإلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بالمؤبد، إضافة إلى اعتماد سنة سجنية مخفّضة لمرة واحدة.
من جهته، رأى كشلي، بصفته رئيسًا حديثًا لهيئة رعاية السجناء، أن الحلول يجب أن تشمل تسريع المحاكمات، تفعيل التقاضي عن بُعد، زيادة عدد القضاة ومعالجة الملفات العالقة التي تُبقي السجناء في التوقيف الاحتياطي أو بسبب الغرامات المالية، بما يخفف المعاناة ويعيد الحقوق إلى أصحابها.
وفي مقاربة عملية للأزمة، أوضح أن هيئة رعاية السجناء التي يترأسها أَخيرًا تعمل على دعم السجناء وأسرهم في المجالات الدينية، التعليمية، الصحية والاجتماعية، بالتعاون مع الجمعيات والمؤسسات الخيرية، بما يضمن إعادة دمج السجين في المجتمع عند خروجه. كما تتابع الهيئة بشكل مستمر أوضاع السجون لتحديد النواقص والإمكانات وتنسّق مع وزارة الداخلية، وزارة العدل والمجلس الأعلى للقضاء، بهدف ضمان تنفيذ القرارات القضائية بسرعة وعدالة.
وأَكَّدَ كشلي أن الهيئة لن تتدخل في أحكام القضاء، لكنها ستسعى إلى تسريع الإجراءات وتحقيق العدالة الإنسانية، خصوصًا لأولئك الذين يتعرضون للظلم بسبب التأخير أو الظروف الاقتصادية التي تحول دون قدرتهم على دفع الغرامات، مشددًا، في الخِتَام، على أن حماية حقوق السجناء وكرامتهم ليست ترفًا، بل واجبًا أخلاقيًا وقانونيًا على الدولة.

