January 14, 2026   Beirut  °C
أمن وقضاء

بين صمت مالك "روسوس" وشهادة قبطانها.. متى يُخترق جدار الصَمت؟

اصطدمت الجهود القضائية في ملف انفجار مرفأ بيروت بجدار الصمت في العاصمة البلغارية صوفيا؛ حيث امتنع مالك السفينة "روسوس" إيغور غريتشوشكين عن الإجابة على أسئلة المحقق العدلي القاضي طارق البيطار. وعلى الرَّغمِ مِن استناد الجلسة إلى تعاون قضائي دولي، إلا أن تمسك غريتشوشكين بإفادته القديمة زاد من تعقيد مسار التحقيق المتعثر أصلًا، ليظل لغز شحنة الموت يراوح مكانه.

في المقابل، برزت إفادة قبطان السفينة بوريس بروكوشيف كعنصر دفعٍ جديد، إذ أكد أن السلطات الرسمية في مرفأ بيروت هي التي تولّت تفريغ الشحنة، معربًا عن دهشته الكبيرة من قرار تخزينها داخل أحد عنابر المرفأ، بدلًا من تحميلها فورًا على شاحنات مخصصة ونقلها إلى خارج المرفأ مِن دُونِ تأخير.

وعند سؤاله عن تحديد المسؤوليات، شدد القبطان على أن المسؤولية القانونية والأخلاقية تقع أولًا وأساسًا على الجهة التي قررت الاحتفاظ بهذه المواد الخطرة وتخزينها في المرفأ بعد مرور ست سنوات على تفريغها، مستنكرًا مُحاولات تحميله أي مسؤولية أو الزج باسمه في قضية الانفجار، قائلًا: لم يوضح لي أحد طبيعة علاقتي بانفجار المرفأ أو الأساس الذي تُبنى عليه أي مسؤولية منسوبة إليّ، ومؤكدًا أنه لا يفهم سر احتفاظ السلطات بها طوال تلك المدة.

وفي هذا السياق، عبّر شقيق الشهيد جو نون وليام نون، وهو المتحدث باسم أهالي ضحايا المرفأ، عن امتعاضه، مشيرًا إلى أن رفض الموقوف إيغور غريتشوشكين الإدلاء بإفادته أو تقديم أي معلومات يشكّل عائقًا أساسِيًّا أمام كشف الحقيقة، لا سيما وأنه يُعدّ الشخص الأكثر امتلاكًا للمعلومات ومحاولة لطمس هوية المالك الحقيقي للشحنة.

 

وأَكَّدَ في حديث لمِنصّة "بالعربي" أن الباخرة، عند وصولها إلى بيروت، لم تكن تنوي استكمال رحلتها إلى موزمبيق، لافِتًا إلى أن غريتشوشكين تخلّى عنها فور توقّفها. وأوضح أن قيمة الباخرة تُقدَّر بملايين الدولارات، كما أن قيمة الشحنة التي كانت على متنها تتجاوز ثلاثة ملايين دولار، ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول سبب التخلي عنها قبل تفاقم المشاكل التي لحقت بها.

 

وشدد نون على أن امتناع غريتشوشكين عن الإدلاء بأي معلومات يؤثر بشكل مباشر وكبير على مسار التحقيق وعلى القرار الظني المنتظر. وقال إِنَّ عائلات الضحايا حاولت اتخاذ موقف واضح لمعرفة كيفية تعاطي الدولة اللبنانية مع هذا الملف، إلا أن التعاطي الرسمي، بحسب تعبيره، جاء سخيفًا وسطحِيًّا، من دون أي اهتمام حقيقي بما إذا كان هذا الشخص قد تحدث أو قدّم إفادة.

 

وأشار إلى أَنَّهُ تَمَّ التقدم بطلب استئناف لتسليم غريتشوشكين إلى لبنان أمام المحكمة البلغارية، بانتظار صدور النتيجة، مُذَكِّرًا بأن الطلب رُفض في المرة الأولى، بسبب انتظار السلطات البلغارية معطيات وإجابات واضحة من الدولة اللبنانية، التي لم تقدّم تطمينات كافية بعدم إصدار حكم إعدام بحقه.

 

وفي سياق متصل، لفت نون إلى أن قبطان السفينة قد أدلى بإفادة واضحة في العام 2020. ففي تلك الإفادة، أوضح القبطان أنه طُلب منه إبقاء السفينة في المرفأ، وكان على علم بأن الشحنة ستُفرّغ داخل عنبر، إلا أنه اعترض صراحة وأبلغ السلطات اللبنانية بأن هذا الإجراء يشكّل خطرًا كَبِيرًا.

 

وقال إِنَّ القبطان أشار أَيضًا إلى استغرابه من قرار تخزين المواد داخل عنبر في المرفأ، مُتَسَائِلًا عن سبب عدم نقلها إلى أماكن أكثر أمانًا، كالمواقع العسكرية أو المناطق المخصصة لتخزين المواد الخطرة، مُعتَبِرًا أَنَّ مَا حَصَلَ يثير الكثير من الشبهات والأسئلة الجوهرية. 

 

ختامًا، تُظهر هذه التطورات الممتدة من صوفيا إلى بيروت حجم التحديات التي تُكبل ملف انفجار المرفأ؛ فبين صمت المالك الذي يحجب هوية المستفيد الحقيقي وشهادة القبطان التي تضع الكرة في ملعب السلطات المحلية، يجد التحقيق نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد. ومع استمرار المراوحة في المكان بفعل التداخلات السياسية والعوائق الدولية، يبقى السؤال القائم: هل ينجح القضاء اللبناني في اختراق جدار الصمت، أم أن الحقيقة ستظل رهينة التوازنات التي حالت دون كشفها على مدى سنوات؟

بين صمت مالك "روسوس" وشهادة قبطانها.. متى يُخترق جدار الصَمت؟
بين صمت مالك "روسوس" وشهادة قبطانها.. متى يُخترق جدار الصَمت؟ - 1