مع إعلان روابط التعليم الرسمي الإضراب، الأربعاء الماضي، احتجاجًا على تدهور الرواتب والمطالبة بتعويضات، برز انقسام بشأن الإضراب، بعد إعلان رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي عدم المشاركة فيه، مؤكدة أن يوم الأربعاء سيكون "يومًا تعليميًا عاديًا" في المدارس الرسمية، وأن الأساتذة المتعاقدين، الذين يشكلون نحو 80% من الكادر التعليمي في التعليم الأساسي، سيواصلون التدريس حضوريًا وعن بُعد.
فما أسباب هذا الانقسام الحاصل؟ وما تداعياته على الواقع التربوي الرسمي، في ظل الأزمة التي يعيشها لبنان، وعلى رأسها أزمة النزوح، وانقطاع جزء كبير من طلاب المدرسة الرسمية عن تلقي تعليمهم حضوريًا وحتى عن بُعد؟ وكيف سينعكس هذا الأمر على مصير الامتحانات الرسمية؟
في هذا الإطار، شرحت رئيسة رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي، الدكتورة نسرين شاهين، مجريات الأمور وأسباب الانقسام الحاصل بين الرابطة والأساتذة المتفرغين، فأكدت أن الأزمة التي يعيشها قطاع التعليم الرسمي بدأت منذ تغيير آلية دفع مستحقات الأساتذة مع وصول الحكومة الحالية، معتبرة أن السياسة الجديدة أدت إلى تراجع كبير في قيمة الرواتب، ولا سيما للمتعاقدين.
وأوضحت، عبر منصة "بالعربي"، أن الأساتذة المتعاقدين كانوا يتقاضون سابقًا مبلغًا مقطوعًا يوازي نحو 375 دولارًا أميركيًا، إضافة إلى جزء من الراتب بالليرة اللبنانية، إلا أن وزيرة التربية ريما كرامي اعتمدت لاحقًا نظام دفع مختلفًا عن ذلك المعتمد في رواتب باقي القطاع العام، ما أدى إلى خسارة جزء كبير من قيمة المداخيل نتيجة انهيار سعر العملة الوطنية.
وأضافت أن الأساتذة نفذوا خلال العام الماضي تحركات واعتصامات واسعة اعتراضًا على هذا الواقع، بعدما تراجعت قدرتهم الشرائية بشكل حاد، مشيرة إلى أن وزيرة التربية وعدت بدفع المستحقات بصورة شهرية، إلا أن الرواتب ما تزال تُصرف بشكل متقطع كل شهرين أو ثلاثة أشهر، الأمر الذي يزيد الضغوط الاقتصادية على المعلمين.
وفي ما يتعلق ببدل النقل، لفتت شاهين إلى أن عددًا كبيرًا من الأساتذة المتعاقدين لا يحصلون عليه بصورة عادلة، بسبب غياب تعميم واضح يشمل جميع الفئات التعليمية، ما أدى إلى تفاوت بين المدارس في تطبيق هذه التعويضات.
وأكدت أن رابطة الأساتذة المتعاقدين طالبت منذ البداية بزيادة عادلة للأجور تتناسب مع الغلاء المعيشي والانهيار الاقتصادي، مشيرة إلى أن الطرح السابق كان يقضي برفع الرواتب وفق 37 ضعفًا، إلا أن المفاوضات انتقلت لاحقًا إلى قيام من وصفتهم بـ"روابط السلطة" بطرح ما يُعرف بـ"الرواتب الستة"، وذلك بالتنسيق مع وزيري المال والتربية من دون العودة إلى رابطة الأساتذة المتعاقدين، وهو ما اعتبرته الرابطة غير كافٍ ولا يحقق الحد الأدنى من العدالة للأساتذة.
ورأت شاهين أن الأساتذة المتعاقدين، الذين تبلغ نسبتهم نحو 80% من أساتذة القطاع العام، يتحملون العبء الأكبر من أي إضراب، لأنهم يخسرون أجرهم اليومي مباشرة عند التوقف عن التدريس، خلافًا للأساتذة المثبتين الذين يستمرون في تقاضي رواتبهم.
وأضافت أن خسارة المتعاقد قد تصل إلى نحو 50 دولارًا يوميًا، في ظل غياب أي مصدر دخل بديل.
وانتقدت أسلوب الإضرابات المتقطعة التي شهدها القطاع التربوي خلال الفترة الماضية، معتبرة أنها لم تحقق نتائج فعلية، بل إنها أتت "غبّ الطلب" في سياق خدمة أجندات سياسية، زادت من معاناة الأساتذة والطلاب معًا، خصوصًا أن العام الدراسي الحالي يعاني أساسًا من اضطرابات كبيرة بسبب الأوضاع الاقتصادية والأمنية، إضافة إلى اعتماد التعليم عن بُعد في عدد من المدارس.
وأشارت إلى أن نسبة كبيرة من المدارس لم تلتزم بالإضرابات الأخيرة، إذ استمرت العملية التعليمية فيها بصورة جزئية، موضحة أن بعض المدارس بقي مفتوحًا، فيما تولى الأساتذة المتعاقدون متابعة التدريس، بينما امتنع عدد من أساتذة الملاك عن إعطاء حصصهم.
وفي ملف الامتحانات الرسمية، أكدت شاهين أن رابطة الأساتذة المتعاقدين تتجه نحو مقاطعتها، معتبرة أن هذه الخطوة تشكل "ورقة ضغط إدارية" على الدولة من دون استهداف مباشر للطلاب.
وأضافت أن الظروف التعليمية الحالية لا تسمح بإجراء الامتحانات بصورة طبيعية وعادلة، في ظل التراجع الكبير في مستوى التعليم خلال العام الدراسي الحالي.
وختمت بالتشديد على أن مطلب الرابطة الأساسي اليوم يتمثل في منح الأساتذة مساعدة شهرية مقطوعة بالدولار، تراوح بين 200 و300 دولار، إلى حين استقرار الأوضاع الاقتصادية وإقرار سلسلة رتب ورواتب جديدة وعادلة. واعتبرت أن الحلول المطروحة حاليًا لا تواكب حجم الأزمة المعيشية، مؤكدة أن أي زيادة محدودة لن تكون كافية لتحسين أوضاع المعلمين.
ويبقى مصير ما تبقى من العام الدراسي في التعليم الرسمي معلقًا بانتظار ما ستؤول إليه الاتصالات والمفاوضات الجارية بين وزارة التربية والهيئات التعليمية، ولا سيما الأساتذة المتعاقدين، على أمل التوصل إلى حلول تضمن حقوق المعلمين وتحفظ، في الوقت نفسه، حق التلامذة في استكمال عامهم الدراسي وإجراء الامتحانات الرسمية ضمن أجواء مستقرة.