May 06, 2026   Beirut  °C
إعلام

علي حمادة: شهداء الإعلام هم شهداء الحقيقة مهما اختلفت قناعاتهم

في السادس من أيار من كل عام، تُستعاد ذكرى شهداء الصحافة اللبنانية، في يومٍ ارتبط تاريخيًا بشهداء الكلمة منذ عام 1916، حيث دفع صحافيون حياتهم ثمنًا لمواقفهم وحريتهم في التعبير.

هذا اليوم لم يبقَ محصورًا بذاكرةٍ بعيدة، بل امتد ليختصر مسارًا طويلًا من التضحيات التي رافقت الصحافة اللبنانية في مختلف محطاتها، من الحروب إلى الاغتيالات والأزمات السياسية، وهو ما يجعل استحضار مرحلة 14 آذار جزءًا طبيعيًا من هذا المسار، حين تحول عدد من الصحافيين والإعلاميين إلى أهدافٍ مباشرة لمحاولات اغتيال وعمليات استهداف، في تأكيدٍ على أن الكلمة في لبنان بقيت دائمًا في قلب المواجهة، وأن كلفتها لم تتوقف في أي مرحلة من تاريخه.

وانطلاقًا من هذه الذكرى، أشار الإعلامي علي حمادة إلى أن يوم شهداء الصحافة اللبنانية كان في الأساس عيد الشهداء، عيدًا وطنيًا جامعًا لا يقتصر على فئة أو شريحة محددة، قبل أن يتحول مع الوقت، وخصوصًا بعد الحرب الأهلية، إلى يوم شهداء الصحافة، لا سيما أن عددًا من شهداء السادس من أيار عام 1916 كانوا من الصحافيين اللبنانيين.


وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن الصحافة اللبنانية دفعت ثمنًا كبيرًا وباهظًا على مر التاريخ، منذ ما قبل قيام الجمهورية اللبنانية وبعدها، مستذكرًا شهداء 6 أيار 1916، إضافةً إلى شهداء سقطوا في أحداث عام 1958، ثم خلال حرب السنتين 1975 و1976 وما تلاها من مراحل، مؤكدًا أن صحافيين كثر قضوا على مذبح هذا الوطن دفاعًا عن قضاياه ومن أجل إعلاء شأنه.


ولفت حمادة إلى أنّ انطلاقة 14 آذار قامت أيضًا على أكتاف عدد كبير من الصحافيين والإعلاميين الأحرار، إلى جانب قيادات سياسية ووطنية، مشيرًا إلى أنّ باكورة العمليات الإرهابية تمثلت بمحاولة اغتيال مروان حمادة في الأول من تشرين الأول 2004، وهو الصحافي العريق قبل أن يكون سياسيًا، ثم اغتيال سمير قصير وجبران تويني، واستهداف مي شدياق، إضافةً إلى آخرين، ما يؤكد أن الصحافة دفعت ثمنًا غاليًا.


وأضاف أنّ عدالة الأرض لم تتحقق، إلا أن عدالة السماء تحققت إلى حدٍّ كبير، بحسب تعبيره، بعد كل ما حصل من تطوراتٍ على الصعيد الوطني والإقليمي، مشيرًا إلى انهيار النظام السوري، ومقتل معظم الذين شاركوا في عمليات الاغتيال ومحاولات الاغتيال خلال الثورة السورية وخلال السنوات التي أعقبت خروج الجيش السوري من لبنان.


وتابع حمادة مؤكدًا أنّ من أمعنوا في قتل الأحرار منذ الرابع عشر من آذار، بين محاولات اغتيال واغتيالات، أصابتهم لاحقًا تداعيات كبرى، معتبرًا أنّ ما أصاب حزب الله من ضربات دموية وخسائر نتيجة مغامراته العسكرية، وما أصاب الإيرانيين وقادتهم، يدخل أيضًا في سياق القصاص الإلهي، على حدّ وصفه، وهي القناعة التي يؤمن بها جمهور 14 آذار العابر للطوائف والأحزاب والمناطق.


ولفت إلى أن الثمن الذي دفعته الصحافة لم يقتصر على الشهداء فقط، بل شمل المهنة نفسها، من أوضاعها المادية إلى واقعها الاجتماعي، إضافةً إلى المعاناة التي تكبّدتها عائلات الشهداء، معتبرًا أنّ الصحافة اللبنانية دفعت كلفة باهظة على مختلف المستويات.


وأضاف أن هناك أيضًا شهداء من الإعلام سقطوا في الآونة الأخيرة بنيران إسرائيل، معتبرًا أنّ لهم مكانتهم كشهداء للصحافة، كل من موقعه وزاويته وقناعاته، لأن من يدفع حياته ثمنًا لنقل الحقيقة يبقى شاهدًا وشهيدًا للكلمة.


وعن الإعلام اليوم، شدد حمادة على أن دوره بقي أساسيًا في الماضي والحاضر والمستقبل، رغم تغيّر الوسائل والتكنولوجيا، من الصحافة المكتوبة إلى المرئية والمسموعة والإلكترونية، إلا أن وظيفة الإعلام في العمق لم تتغير، وهي التأثير في السياسة والمجتمع والثقافة، والدفاع عن الحقيقة والحريات.


ورأى أن مشروع 14 آذار لم يتراجع، بل إن مبادئه وروحيته ما زالت متغلغلة في نفوس شريحة واسعة من اللبنانيين، معتبرًا أن كثيرًا من الأهداف الوطنية المطروحة اليوم، من بناء وطن لجميع اللبنانيين إلى تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة، هي في جوهرها من أهداف 14 آذار.


وختم حمادة بالتأكيد أنّ الحفاظ على هذا الإرث يكون عبر زرع أفكار هذه المهنة وتقويتها ودعمها، مشيرًا إلى أن الإعلام لم يعد محصورًا بصحيفة أو محطة تلفزيون أو إذاعة، بل بات كل فرد، وخصوصًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قادرًا على أن يكون مشروعًا إعلاميًا يحمل قضية ويدافع عن حرية الكلمة في مواجهة العنف والسلاح.


وأضاف أنّ الإعلام في جوهره هو إيمانٌ بالحريات، إيمانٌ بحرية الرأي وحرية الآخر، وحق الكلمة في أن تُقال، معتبرًا أنّ هذه القيم هي الأساس الذي يقوم عليه العمل الصحافي الحقيقي، مهما تبدلت الوسائل وتطورت التكنولوجيا.


في المحصلة، يبقى السادس من أيار أكثر من مجرد ذكرى، بل محطة لاستعادة مسارٍ طويل من التضحيات التي دفعتها الصحافة اللبنانية دفاعًا عن الكلمة الحرة. وبين شهداء الأمس وما تلاهم من محطات، وصولًا إلى ما يعيشه الإعلام اليوم، تبقى هذه المهنة في قلب المواجهة، تدفع كلفتها في كل مرة، وتستمر رغم كل التحولات في محاولة تثبيت مساحةٍ للكلمة في بلدٍ لم تكن فيه الحرية يومًا أمرًا محسومًا، بل واقعًا يُعاد التمسك به في كل محطة.