April 28, 2026   Beirut  °C
تربية

بعد قرار ماكرون دعم الطلاب اللبنانيين.. شربل صياح: المستفدون يعكسون قوة الحضور اللبناني في الخارج

في أعقاب القرار الذي أعلنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والقاضي بإعفاء أكثر من 10 آلاف طالب وطالبة لبنانية من الرسوم الجامعية في الجامعات الرسمية الفرنسية، برزت تساؤلات حول دلالات هذه الخطوة وتوقيتها، وما إذا كانت تندرج ضمن سياق أوسع يعكس توجها فرنسيا لإعادة تفعيل حضوره في لبنان.

فالقرار، الذي يأتي في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة يعيشها اللبنانيون، لا يقتصر على بعده التربوي فحسب، بل يمتد ليحمل رسائل إنسانية وسياسية في آن معا، خصوصا وأنه يطال بشكل مباشر آلاف العائلات اللبنانية.

وبينما يشكل هذا الإجراء دعما ملموسا للطلاب، فإنه يطرح في المقابل إشكالية متجددة حول مستقبل الدور الفرنسي في لبنان، وما إذا كانت فرنسا تسعى من خلاله إلى استعادة موقعها التاريخي وتأثيرها التقليدي في البلاد.


في هذا السياق، أوضح الكاتب السياسي شربل صياح أن القرار الفرنسي المتعلق بالطلاب اللبنانيين ليس قرارا مستجدا، بل هو إجراء سبق أن اعتمد على مراحل عدة، لا سيما بعد انفجار مرفأ بيروت، حيث فُعل ووسعه في أكثر من محطة، مشيرا إلى أن بعض البلديات الفرنسية كانت قد اعتمدت هذا الإجراء سابقا، إلا أن أهميته اليوم تكمن في شموليته، إذ يشمل ما يقارب عشرة آلاف وخمسمئة طالب لبناني.


وأكد عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن هذا القرار يحمل رسالة واضحة إلى الشعب اللبناني والعائلات اللبنانية، مفادها بأن فرنسا تقف إلى جانب لبنان على الصعد الإنسانية والتربوية والاجتماعية، بغض النظر عن التعثر الذي شهدته بعض المسارات السياسية والدبلوماسية في الفترة الأخيرة، معتبرا أن هذه الخطوة تعكس عمق العلاقة الوطيدة بين الشعبين اللبناني والفرنسي، وهي علاقة قائمة على محبة متبادلة وجذور تاريخية راسخة.


وفي المقابل، لفت صياح إلى أن للقرار وجها آخر، يتمثل في ضرورة الانتباه إلى ظاهرة الهجرة المتزايدة، لا سيما في صفوف الشباب اللبناني، موضحا أنه لا يفضل استخدام مصطلح "هجرة الأدمغة"، لأن لبنان لا يزال يزخر بالكفاءات، إلا أن الظروف الصعبة، من غياب فرص العمل وانعدام الاستقرار وتراجع الآفاق المستقبلية، دفعت الكثير من الشباب إلى مغادرة البلاد خلال السنوات الماضية.


ورأى أن القرار، على الرغم من أهميته والترحيب الواسع به من قبل العائلات والطلاب، يطرح في الوقت ذاته تساؤلات حول مستقبل هذه الطاقات البشرية، متحدثا عن تزايد أعداد الشباب اللبناني في الخارج، خصوصا في باريس. واعتبر أن هذه الظاهرة تحمل دلالات مزدوجة، فهي من جهة مؤشر إيجابي على نجاح اللبنانيين، لكنها من جهة أخرى تعكس نزفا بشريا يمس مستقبل لبنان، مشددا على ضرورة وضع سياسات واضحة تضمن مستقبلا لائقا لهؤلاء الشباب، عبر آليات تنفيذية تسمح لهم بالاستفادة من خبراتهم في الداخل اللبناني، من خلال استثمارات أو شراكات مع شركات فرنسية يمكن أن تفتح فروعا لها في لبنان، بما يعزز التعاون بين البلدين.


وفي الشق السياسي، أكد صياح أن هذا القرار لا يرتبط بأي أبعاد سياسية مباشرة، بل يندرج ضمن سياق العلاقات التاريخية بين الدولتين والشعبين، مشيرا، في الوقت نفسه، إلى أن الدور السياسي الفرنسي في لبنان شهد تراجعا في فعاليته، خصوصا بعد زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى بيروت عقب انفجار 4 آب.


واعتبر أن على فرنسا إعادة النظر في سلوكها الدبلوماسي، الذي اتسم، بحسب تعبيره، بشيء من السلبية أو الالتباس في التعاطي مع بعض الملفات، مشددا على أن المطلوب من فرنسا، كما من سائر الدول، ليس التدخل المباشر، بل دعم قرارات الدولة اللبنانية، لا سيما الصادرة عن مجلس الوزراء اللبناني في موضوع نزع سلاح حزب الله، بما يسهم في تعزيز سيادة الدولة وإعادة بناء مؤسساتها.


وأكد صياح على أن أي دعم دولي حقيقي للبنان يجب أن يمر عبر تمكين الدولة اللبنانية ومؤسساتها، بما يتيح للشعب اللبناني استعادة أنفاسه وإعادة بناء دولته، وبالتالي ترسيخ علاقات متوازنة ومستقرة مع مختلف الدول.


وعليه، يبقى هذا القرار خطوة إيجابية على المستوى الإنساني والتربوي، لكنه يسلط الضوء في الوقت ذاته على التحديات البنيوية التي يواجهها لبنان، ما يستدعي مقاربة شاملة توازن بين دعم الشباب في الخارج وتأمين مستقبلهم داخل الوطن.