في ظل حجم الأضرار البيئية غير المسبوقة التي خلّفها العدوان الإسرائيلي على لبنان بين عامي 2023 و2025، أطلقت وزارة البيئة والمجلس الوطني للبحوث العلمية نتائج دراسة الأثر البيئي للاعتداءات، والتي وثّقت تدهورا واسعا طال النظم البيئية والتربة والمياه والمناطق الزراعية. وأعلنت أن ما حصل يرقى إلى مستوى "إبادة سكنية وحضارية" موثقة علميا، بما يتيح المطالبة بتعويضات عن حجم الانتهاكات البيئية. وتبيّن الدراسة أن الأضرار انعكست على خصوبة الأراضي واستدامة الزراعة، ما يستدعي إعادة تأهيل شاملة للنظم البيئية المتضررة. كما تبرز كلفة المعالجة المرتفعة وتعقيد التلوث، ما يفرض مسوحات علمية دقيقة لتحديد مدى صلاحية الأراضي للحياة بعد وقف إطلاق النار.
في خضم النقاشات القانونية والبيئية المتصاعدة حول آثار النزاعات المسلحة، لفتت النائب نجاة عون صليبا إلى أنه يمكن الاستناد في توصيف ما حصل إلى منظومة متكاملة من القواعد والمعاهدات الدولية، مشيرة إلى أن البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 يشكّل المرجع الأساسي في هذا المجال، لا سيما المادتين 35 (3) و55 اللتين تحظران استخدام وسائل أو أساليب حرب يقصد بها أو يتوقع منها إحداث ضرر واسع وطويل الأمد وشديد بالبيئة الطبيعية.
وأوضحت عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن هذه الأحكام تتكامل مع مبادئ التمييز والتناسب المنصوص عليها في المواد 51 و52 من القانون الدولي الإنساني العرفي، كما كرّستها اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، بما يفرض قيودا واضحة على سلوك الأطراف المتحاربة، مشيرة إلى أن استخدام الأسلحة الحارقة في أو قرب مناطق مأهولة يندرج ضمن إطار البروتوكول الثالث لاتفاقية الأسلحة التقليديو (CCW 1980) الذي يقيّد هذا النوع من الاستخدام. ولفتت، في الوقت نفسه، إلى أن اتفاقية ENMOD لعام 1976 تضع قيودا على التلاعب بالبيئة لأغراض عسكرية عندما يؤدي ذلك إلى آثار واسعة أو طويلة الأمد أو شديدة.
وفي ما يتعلق بإمكانية المساءلة، بيّنت صليبا أنه في حال توافر شروط الضرر البيئي المفرط والمتعمد، يمكن نظريا الاستناد إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لا سيما المادة 8(2)(ب)(iv)، التي تجرّم إلحاق ضرر بيئي واسع وطويل الأمد وشديد يكون مفرطا مقارنة بالميزة العسكرية. وقالت إن مبادئ لجنة القانون الدولي لعام 2022 بشأن حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة تعزّز هذا الإطار، من خلال التأكيد على واجب الوقاية والمعالجة وإعادة التأهيل.
ومن الناحية العلمية والإجرائية، أكدت أن عملية التقييم والتوثيق تستند إلى معايير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) في تقييمات ما بعد النزاع، وإلى منهجيات منظمة الصحة العالمية (WHO) في تصنيف المواقع الملوثة وتقييم المخاطر الصحية، لا سيما عبر تحليل مسارات التعرض المختلفة، مثل الهواء والتربة والمياه والغذاء، لافتة، في السياق نفسه، إلى أن تجارب سابقة، كآلية التعويضات التابعة للأمم المتحدة (UNCC) بعد حرب الكويت، أثبتت أن الربط بين التوصيف القانوني والتقييم العلمي الموثق وفق هذه المعايير يتيح تحويل الأضرار البيئية إلى مطالبات تعويضية قابلة للاعتراف الدولي، بما يشمل كلفة الاستعادة، والرصد، والخسائر في الخدمات البيئية.
في هذا السياق، يبرز التساؤل حول طبيعة المواد الكيميائية المستخدمة وتأثيرها على التربة والمياه الجوفية، ومدى مساهمتها في تدهور النظم البيئية وتراجع صلاحية الأراضي الزراعية، إضافة إلى الآلية العلمية المعتمدة للقيام بمسح شامل يحدّد مستوى التلوث وحاجات إعادة التأهيل البيئي.
ومن هذا المنطلق، أوضحت صليبا أن التركيز في الجنوب، بحسب التقارير اللبنانية والدولية، كان على الفوسفور الأبيض، إضافة إلى مخلفات الذخائر والمتفجرات وما ينتج عنها من معادن ثقيلة ومركبات احتراق، فضلا عن الحطام الملوث الناتج عن تدمير الأبنية، لافتة إلى أن تقارير بحثية وإعلامية وحقوقية وثّقت استخدام الفوسفور الأبيض على نطاق واسع منذ العام 2023، مع تسجيل مئات الحالات وتأثيرات طالت مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية والحراجية. كما أشارت إلى أن العام 2026 شهد بروز ملف رش الغليفوسات قرب الخط الأزرق، وهو ملف منفصل زمنيا عن تقرير 2023 -2025، إلا أنه يعد عنصرا إضافيا في تقييم التدهور البيئي في المنطقة.
واعتبرت أن بقايا النزاعات، كيميائيا، لا تقتصر على الفوسفور، بل تشمل أيضا الفوسفات الناتجة عن احتراقه، والتغير في الحموضة المحلية للتربة، ونواتج الاحتراق، والمركبات العضوية متعددة الحلقات (PAHs)، والمركبات العضوية المتطايرة، إلى جانب المعادن الثقيلة المرتبطة بالذخائر والركام العسكري والمدني، مثل الرصاص والكادميوم والزنك والنحاس والأنتيمون وغيرها، مبيّنة أن هذه الملوثات تؤدي إلى تدهور خصوبة التربة وتراجع جودة المياه الجوفية، ما ينعكس سلبا على النظم البيئية وعلى صلاحية الأراضي الزراعية.
وفي السياق العلمي، أكدت صليبا أن تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) في تقييماته للنزاعات في لبنان وغزة وأوكرانيا تظهر أن فهم الأثر البيئي يتطلب تحليلا متكاملا يشمل التربة والمياه الجوفية والسطحية والرسوبيات والركام، مشيرة إلى أن منظمة الصحة العالمية (WHO) تعتمد مقاربة قائمة على تقييم المخاطر الصحية المرتبطة بتلوث الهواء والمياه والتربة ومسارات التعرض، وليس فقط الملاحظة السطحية للضرر، ما يوفر إطارا علميا دقيقا لتحديد مستويات التلوث ووضع خطط إعادة التأهيل البيئي المناسب.
وعن الأثر التراكمي للملوثات على صحة السكان، خصوصا مع ارتفاع نسب السرطان، وإمكان انتقال هذه السموم عبر السلسلة الغذائية، والمعايير الدولية لتصنيف المناطق كملوثة أو صالحة للحياة مع الأخذ بعين الاعتبار تدهور البيئة المحيطة، أوضحت أن الأثر التراكمي للملوثات يتجلى على صحة السكان من خلال تعدد مسارات التعرض، والتي تشمل استنشاق الهواء الملوث، ملامسة التربة، شرب المياه الملوثة، واستهلاك الغذاء أو الأعلاف الملوثة، لافتة إلى أن منظمة الصحة العالمية (WHO) تؤكد أن المواقع الملوثة تشكل خطرا مباشرا على الصحة العامة نتيجة تلوث الهواء والتربة والمياه الجوفية والسطحية. وشددت على ضرورة اعتماد تقييم علمي شامل للأثر الصحي لكل موقع ملوث، وليس الاكتفاء بالمظاهر السطحية للضرر.
ورأت صليبا أن انتقال السموم عبر السلسلة الغذائية أمر ممكن ومهم جدا، لا سيما من خلال الخضار، الزيتون، الأعلاف، الحليب، اللحوم والبيض، وذلك عندما تتلوث التربة أو مياه الري أو المراعي، مبيّنة أن هذا النوع من الانتقال يعد من أخطر مسارات التعرض لأنه مزمن وغير مرئي، وقد يؤثر على فئات واسعة من السكان على المدى الطويل.
وفي ما يتعلق بالسرطان، شددت على أنه لا يجوز علميا نسبة أي ارتفاع في معدلاته بشكل مباشر إلى الحرب الجارية دون الاستناد إلى دراسات وبائية دقيقة وطويلة الأمد. إلا أنها أكدت في الوقت نفسه أن التعرض المزمن للمعادن الثقيلة ونواتج الاحتراق وبعض الملوثات العضوية، مثل المركبات العضوية متعددة الحلقات (PAHs)، يزيد من مخاطر الإصابة بالأمراض السرطانية، إضافة إلى الأمراض التنفسية والقلبية واضطرابات الجهاز التناسلي، ما يستدعي إنشاء برامج رصد صحية وبيئية طويلة الأمد لتقييم هذا الأثر بشكل دقيق.
وعن الكلفة التقديرية لمعالجة التربة الملوثة، وخطة إعادة تأهيل النظم البيئية المتضررة واستعادة التنوع البيولوجي، بما يشمل إصلاح الأضرار البيئية طويلة الأمد وضمان استدامة الأراضي الزراعية، أشارت صليبا إلى أن الكلفة التقديرية لمعالجة التلوث البيئي تعتمد بشكل أساسي على طبيعة الملوث، وعمق اختراقه في التربة، ومساحة المنطقة المتضررة، ومدى تأثر المياه الجوفية، إضافة إلى نوع التدخل المطلوب، سواء كان إزالة التربة أو عزلها أو معالجتها بطرق بيولوجية أو حرارية أو كيميائية مثل الغسل أو الاحتواء.
ولفتت إلى أن التقدير الدقيق للكلفة لا يمكن تثبيته في المرحلة الحالية قبل استكمال المسح الطبقي وتحديد ما يعرف بـ "النقاط الساخنة" Hotspots، موضحة أن تجارب ما بعد النزاعات تؤكد هذا الواقع، حيث لم تبدأ عمليات الاستعادة الفعلية في الكويت مثلا إلا بعد سنوات من التقييم والتوصيف، وقد وصلت كلفة برامج المعالجة هناك إلى مليارات الدولارات.
وبيّنت صليبا أنه مع ذلك يمكن وضع إطار عام لخطة إعادة تأهيل متكاملة تتماشى مع معايير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) ومنظمة الصحة العالمية (WHO)، شارحة أن المرحلة الأولى تقوم على حماية السكان بشكل فوري، عبر عزل المناطق الأكثر تلوثا، ومنع الاستخدام الزراعي الموقت عند الضرورة، وضمان مراقبة مياه الشرب والري، وإدارة الغبار والركام الملوث بطريقة آمنة.
وقالت إن المرحلة الثانية تركز على التقييم الشامل، من خلال تحليل التربة والمياه والرواسب والغذاء والغبار، وتصنيف المناطق بحسب مستوى الخطر إلى مناطق آمنة موقتا، أو مقيّدة الاستعمال، أو تحتاج إلى تدخل موضعي، أو غير صالحة موقتا، مشيرة إلى أن المرحلة الثالثة تتعلق بتنفيذ إجراءات المعالجة بحسب مستوى التلوث، والتي قد تشمل إزالة التربة الشديدة التلوث، أو تثبيتها واحتواءها، أو معالجتها بيولوجيا أو حراريا، إضافة إلى تنظيف مجاري المياه، وتأهيل الغطاء النباتي، ومنع الرعي في المناطق المتضررة، وإدارة الركام وفق آليات فرز دقيقة تفصل بين المواد الخطرة وغير الخطرة. أما المرحلة الرابعة، فتركز على استعادة النظم البيئية على المدى الطويل، من خلال إعادة التشجير باستخدام أنواع محلية، واستعادة خصوبة التربة، وتثبيت المنحدرات للحد من الانجراف، وحماية التنوع البيولوجي، وإطلاق برامج مراقبة مستمرة لصحة الإنسان والبيئة.
وقال صليبا إن هذه المقاربة تتوافق مع تجارب دولية عدة، أبرزها تجربة الكويت بعد الغزو العراقي، وتجربة لبنان بعد حرب 2006، وتجربة كوسوفو في التعامل مع التلوث الناتج عن اليورانيوم المنضب، إضافة إلى التقييمات الحديثة في أوكرانيا وغزة، والتي تؤكد أن التلوث الناتج عن النزاعات يجب التعامل معه كقضية صحة عامة وأمن غذائي وموارد مائية، وليس فقط كضرر بيئي معزول.
وفي المحصلة، لا تعود الأضرار البيئية الناتجة مجرد آثار حرب، بل تتحول إلى تدمير عميق للنظم البيئية والتربة والمياه، بما يهدد مباشرة إمكانية الحياة والزراعة، ويجعل إعادة التأهيل البيئي ضرورة وجودية لا تحتمل التأجيل.