بعد ما شهدته بيروت في "الأربعاء الأسود" ومع توسع العمليات العسكرية ووصولها إلى أحياء سكنية، عاد القلق ليخيّم على السكان، خصوصا مع الحديث عن استهدافات داخل مناطق لم يكن يتوقع أن تكون ضمن دائرة الخطر.
هذا الواقع لا يقتصر على البعد الأمني فحسب، بل يفتح أيضا باب التساؤل حول الجهوزية المحلية وقدرة الجهات المعنية على مواكبة هذه التحولات المتسارعة.
فهل تواكب بلدية بيروت هذه التطورات بخطوات ملموسة على الأرض، أم أن ما يسجل حتى الآن لا يزال دون مستوى المخاطر التي فرضتها المرحلة؟
في هذا الإطار، أكد عضو مجلس بلدية بيروت المحامي محمد بالوظة أنه منذ اللحظات الأولى لما شهدته بيروت، كان واضحا أن دور البلدية لا يمكن أن يقتصر على رد فعل ظرفي أو محدود، بل يجب أن يرتكز على عمل ميداني منظم يشمل الكشف والمتابعة وتحديث المعطيات المرتبطة بالأحياء السكنية ضمن نطاق العاصمة، مشيرا إلى أن تنظيم المعلومات حول المباني، لا سيما أوضاعها الإنشائية، إلى جانب تحديد حاجات السكان، يشكل جزءا أساسيا من أي استجابة جدية، ليس فقط من باب تقديم الخدمات، بل أيضا من باب حماية المواطنين وحسن إدارة أي طارئ قد يطرأ.
ولفت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن هذا المسار يتطلب استمرارية أكبر وبنية عمل أكثر انتظاما وتكاملا، تجمع بين البلدية والمحافظ والأجهزة المختصة واللجان الميدانية، معتبرا أن الجهود القائمة اليوم تبقى غير كافية ما لم تتحول إلى آلية ثابتة ومحدثة، لا ترتبط فقط بوقوع الحوادث.
وفي ما يتعلق بهواجس السكان، أوضح بالوظة أن البلدية لا يمكنها تقديم ضمانات أمنية بالمعنى المباشر، كون هذا الأمر لا يدخل ضمن صلاحياتها، إلا أنها قادرة على لعب دور أساسي في التخفيف من القلق، من خلال الحضور الميداني، سرعة الاستجابة، الجهوزية، والتواصل المباشر مع الأهالي، مؤكدا أن المواطنين بحاجة إلى الشعور بوجود جهة تتابع أوضاعهم عن قرب، توثق، تنسق، وتستجيب.
واعتبر أنّ هذا الحضور يشكل عنصر طمأنة بحد ذاته. وقال إنّ دور البلدية في هذه المرحلة يتمثل في إدارة المخاطر داخل الأحياء السكنية، عبر الكشف على المباني، متابعة السلامة العامة، تنظيم فرق التدخل، والتنسيق مع الجهات المختصة عند الضرورة، مشددا على أن الطمأنة لا تتحقق عبر الخطاب، بل من خلال خطة عمل ميدانية واضحة واستمرارية في المتابعة.
وفي سياق متصل، رأى بالوظة أن التنسيق بين البلدية والجهات الأمنية والرسمية المعنية يعد ضرورة لا غنى عنها، لافتا إلى أن أي مقاربة تفصل بين الأمن والخدمة الميدانية تبقى مقاربة ناقصة. وأوضح أن البلدية، وإن لم تكن جهازا أمنيا، إلا أن دورها لا يقتصر على الجوانب الخدماتية التقليدية، بل يتعداها إلى المساهمة في إدارة المدينة والتنسيق الميداني، خصوصا في حالات الطوارئ.
وتحدث عن ضرورة تطوير هذا التنسيق ليصبح أكثر مؤسساتيا ووضوحا، بما يضمن توزيعا دقيقا للأدوار بين مختلف الجهات، بحيث تتولى الأجهزة المختصة الجانب الأمني، فيما تضطلع البلدية بمهام التنظيم المحلي والاستجابة الميدانية، ضمن إطار تعاون مشترك عند الحاجة.
وعن الأولويات المطروحة اليوم، رأى بالوظة أن الخطوة الأساسية تبدأ بوضع خطط طوارئ محلية واضحة لكل حي، تتيح للسكان معرفة آليات التصرف في حالات الخطر، إلى جانب استكمال قاعدة بيانات محدثة للمباني السكنية، لا سيما تلك المتضررة أو المهددة إنشائيا، وربطها بحاجات القاطنين فيها، مشددا على أهمية تعزيز قنوات التنسيق بين مختلف الجهات، من بلدية وأجهزة أمنية ودفاع مدني وفوج إطفاء ووزارة الصحة والهيئات الاجتماعية، بالإضافة إلى تفعيل التواصل مع المواطنين. واعتبر أنّ الأولوية ليست في تبادل المسؤوليات بل جمعها ضمن إطار عمل موحد وقابل للتنفيذ.
وشدد على أن تطوير عمل البلديات بات ضرورة ملحة لمواكبة حجم التحديات الراهنة، وهو ما يتطلب قرارا سياسيا وإداريا واضحا، إلى جانب توفير الإمكانات البشرية والتقنية والمالية اللازمة، لافتا إلى أنّ تحديث مفهوم العمل البلدي يجب أن يشمل تعزيز قدرات إدارة الأزمات، تطوير أنظمة المتابعة، تدريب الكوادر، وتفعيل دور الشرطة البلدية ضمن صلاحياتها القانونية، بما يسمح بإنشاء آليات استجابة سريعة مرتبطة مباشرة بحاجات الأحياء.
وأشار بالوظة إلى أن بيروت تحتاج اليوم إلى بلدية حاضرة وفاعلة، لا لتحل مكان الدولة، بل لتكون شريكا حقيقيا في حماية المدينة وصون صمود أهلها، مؤكدا أن المرحلة تتطلب عملا جديا ومنسقا يضع سلامة السكان في صلب الأولويات، ويعزز الشراكة بين كل الجهات المعنية في سبيل حماية الأحياء السكنية.
في المحصلة، لا يبدو أن ما شهدته بيروت في الثامن من نيسان مر كحدث عابر بل فتح الباب أمام واقع جديد تتزايد فيه الهواجس داخل الأحياء السكنية في ظل قلق متصاعد يعبر عنه الناس اليوم على مستوى أمنهم واستقرارهم وتنامي الأسئلة حول طبيعة ما يحصل داخل بعض المناطق السكنية وحدود القدرة على ضبط هذا الواقع بشكل فعلي ومستدام.