يشكل الإعلام في أوقات الأزمات والحروب عاملا أساسيا في تشكيل الرأي العام والتأثير في المزاج الشعبي. ومع تسارع الأخبار وانتشار المعلومات عبر مختلف المنصات، يبرز التساؤل حول حجم المسؤولية التي تقع على عاتق الإعلاميين في نقل الحقيقة بدقة، من دون المساهمة في خلق حالة من القلق أو التوتر في المجتمع.
في هذا الإطار، أكد الصحافي غدي بو موسى أن الإعلام اليوم يؤثر بشكل كبير في الرأي العام، خصوصًا في الأزمات مثل الحروب وغيرها، لأن الناس تلجأ أولا إلى الوسائل الإعلامية بحثا عن إجابات للأسئلة التي تطرحها بينها وبين نفسها. فالناس تكون في حالة ضياع، وهنا يصبح دور الإعلام مهمّا في إزالة هذا الغموض بمهنية، والإجابة عن تساؤلات الناس بدقة، ومحاولة نقل الصورة قدر الإمكان بطريقة قريبة من الواقع، من دون تضخيم ومن دون استسهال في الوقت نفسه.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أنه يجب على الإعلامي أن يكون دقيقا، ويتأكد من كل صورة وفيديو وكل معلومة ينشرها، وأن يعتمد الفكرة التي تقول إن يكون آخر وسيلة إعلامية تنشر خبرا صحيحا أفضل من أن يكون أول وسيلة إعلامية تنشر خبرا خاطئا، مشيرا إلى ألا مشكلة في التأخر قليلا في نشر الخبر، فالمهم أن يكون صحيحا، وعدم التسرع، لأن أي فيديو أو كلمة أو حتى مفردة واحدة قد تثير بلبلة كبيرة. فالمفردات قد تضخم الحدث أحيانا، ففي بعض الأحيان يكون هناك تقدم عسكري ويسمى "غزوا"، أو مواجهة تسمى "صراعا"، لذلك يجب توخي الدقة في اختيار العبارات.
ولفت بو موسى إلى أن الإعلام يلعب دورا أساسيا في تخفيف الاحتقان بين الناس ومنع التصعيد، خصوصا عندما يتجنب الانزلاق إلى خطاب "نحن وهم" الذي تستخدمه أحيانا الأحزاب السياسية أو يروج له بعض الأشخاص على مواقع التواصل الاجتماعي، سواء بشكل مقصود أو غير مقصود، لإحداث شرخ بين الناس، مشددا على أنّ الإعلام يجب ألا ينجر إلى هذا الخطاب، ولا أن يصور الأحداث من منطلق طائفي، لأن بعض المشكلات تكون سياسية، لكن المعالجة الإعلامية قد تحولها إلى مشكلات طائفية، ما يزيد من حدة الاحتقان والتصعيد بين الناس.
ونصح بأنّه لتجنب التهويل، يجب على الوسيلة الإعلامية والصحافي عدم تضخيم الأخبار من خلال المفردات المستخدمة في صياغة العناوين، مشددا على أنّ الطريقة الأفضل هي تقديم الحدث بأسلوب واضح وسلس، مع إعطاء كل حدث حجمه الحقيقي ضمن إطار من المسؤولية الإعلامية، سواء في اختيار العنوان أو صياغته أو في استخدام المفردات بدقة.
وأكد بو موسى أن المطلوب ليس تخويف الناس أو إشعارهم بأن خطرا كبيرا يهددهم، ولا يجوز، في الوقت نفسه، الكذب عليهم. لذلك فإن أفضل ما يمكن اعتماده هو اختيار تعبيرات وصياغات تعكس الواقع كما هو. فالإعلام أحيانا يميل إما إلى تخويف الناس أو إلى المبالغة في بث التفاؤل لجذب الانتباه، وهذا أمر معروف في مختلف دول العالم، لكن في الأزمات والحروب والمواضيع الحساسة يجب على الإعلاميين التخلي عن هذا الأسلوب والتركيز على إيصال الخبر بالشكل الصحيح.
وعن الحاجة إلى ضبط ذاتي أكبر لدى الإعلاميين، رأى أن المراسلين والصحافيين اليوم يخاطرون بحياتهم لنقل الصورة بدقة، وهو عمل صعب للغاية، وهناك قدر كبير من المهنية لدى لكثير منهم، مشيرا، في المقابل، إلى أن الصحافي قد يتأثر أحيانا بالخوف أو بالظروف المحيطة به في موقع الحدث، ما قد ينعكس على طريقة نقله للمشهد ويُشعرِ، في الوقت نفسه، المشاهد بأن أمرا خطرا يحدث، بينما يكون الواقع اعتياديا في منطقة معينة. ورأى أَنّ ردات فعل الإعلاميين في الميدان قد تشوه أحيانا الصورة الحقيقية للحدث، لذامن المهم التركيز أكثر على ضبط النفس والتحكم بردود الفعل، وقال: في النهاية، المراسل إنسان، وقد لا يستطيع دائما السيطرة بالكامل على مشاعره، لكن من الضروري أن يُبقي هذه الفكرة حاضرة في ذهنه.
أما عن دور السياسيين، وما إذا كان يجب وضع ضوابط لخطابهم في مثل هذه الظروف، فأكد بو موسى أن ذلك مطلوب نظريا، لكن الواقع يشير إلى أن لكل حزب أو مسؤول سياسي أجندة خاصة، سواء في الحروب أو المظاهرات أو أي أزمة، وغالبا ما يتعامل السياسيون مع القضايا من منطلق يخدم مصالحهم. لذلك قد لا يعتمد السّاسَة كثيرا على الضوابط الذاتية، وهنا يأتي دور الصحافي في وضع حدّ للتفلت في الخطاب السياسي، من خلال طرح الأسئلة والبحث عن الأدلة وعدم الاكتفاء بأن يكون الإعلام منبرا لتمرير الخطابات السياسية، بل أن يكون للمحاور دور في ضبط إيقاع الحوار وإدارة النقاش.
وعن كيفية الموازنة بين حرية الإعلام وحرية التعبير، قال إن الطريقة الأكثر فعالية هي الاعتماد دائما على الوثائق والأدلة العلمية. فلا يجب استخدام حرية الإعلام كذريعة لقول أي شيء، بل يجب أن يستند الكلام إلى أدلة واضحة. فعلى سبيل المثال، إذا أرادت وسيلة إعلامية وصف شخص بأنه فاسد، فيجب أن تقدم دلائل وبراهين تدعم هذا الاتهام. أما إذا أطلقت هذا الوصف من دون تقديم الأدلة، فهنا يحدث خلل في التوازن بين حرية الإعلام وحرية التعبير.
وأشار بو موسى أيضا إلى أن للوسائل الإعلامية والصحافيين مسؤولية اجتماعية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمواد مسجلة أو معدة مسبقا مثل التقارير أو المقابلات. ففي بعض الأحيان قد يتضمن كلام أشخاص في الشارع تصريحات طائفية أو تحريضية قد تثير الفتن وتخلق شرخا بين الناس، وهنا يقع على عاتق الوسيلة الإعلامية والصحافي تجنب عرض مثل هذه المقاطع، خصوصا وأنها ليست على الهواء مباشرة ويمكن التحكم بمحتواها.
وشدد على أن الدور الحقيقي للإعلام في المراحل الحساسة يتلخص في نشر الأخبار الدقيقة والصحيحة، والتأكد من المعلومات والصور والفيديوهات، وأن يكون الإعلامي مثقفا رقميا، خصوصا في زمن الذكاء الاصطناعي، بحيث يمتلك الأدوات التقنية التي تمكنه من التحقق من صحة الصور والفيديوهات والمعلومات، مؤكدا أنّ الإعلام يجب ألا يكون مجرد منبر لترويج السرديات السياسية للأحزاب، بل مساحة مفتوحة لكل التوجهات السياسية، مع ضرورة أن يعمل الإعلاميون على عرض الرأي الآخر وعدم ترك المجال مفتوحا أمام أي طرف لفرض روايته وحده، إضافة إلى مواجهة أي سرديات طائفية قد تؤدي إلى إثارة الفتن.
على خط آخر، وقعت مساء 1 نيسان 2026 مواجهة حادة على الهواء في حلقة "استوديو الجديد" التي تعرض على قناة الجديد بين الإعلامي غدي بو موسى وضيفته المعالجة النفسية والناشطة الاجتماعية ناتالي أندراوس، حيث أثار الخلاف نقاشا حول تناقض في كلام الضيفة على مواقع التواصل الاجتماعي وممارستها الفعلية، ما أدى إلى سجال واسع وانتقادات على السوشيال ميديا.
هذه المواجهة كشفت عن الفجوة بين النظرية والتطبيق، وأثارت جدلا واسعا حول دور الإعلاميين والناشطين في توجيه الرأي العام وحماية المواطنين من خطاب التنمر والتحريض الرقمي.
وتعليقا، رأى بو موسى أن مواقع التواصل الاجتماعي تمثل اليوم نوعا من الفوضى، حيث يمكن لأي شخص أن يقول ما يشاء، ويتهم أو يهدد أو يتنمر على الآخرين من دون أي ضوابط. وقال إنّ كثيرين يكتبون على هذه المنصات كلاما لا يجرؤون على قوله وجها لوجه، لكن يظهرونه على الإعلام أو المنصات الرقمية، في حين لا يطبقون ما يدعون إليه في الواقع.
وأوضح أن عنوان الحلقة كان "اللباقة على مواقع التواصل الاجتماعي"، وهدفت إلى مناقشة كيفية إيصال الأفكار بطريقة محترمة ومسؤولة. وقال: استضَفت ناشطة اجتماعية وصفت نفسها بأنها معالجة نفسية، وكانت تتحدث عن أهمية أن يقيس الشخص كلماته وينتبه لمشاعر الآخرين عند الكتابة أو التعليق على الإنترنت. انطلاقا من كلامها، واجهتها بالسؤال عن التناقض بين ما تقوله على الهواء وما تنشره فعليا على حساباتها على منصات التواصل الاجتماعي، مقدما مثالا عن تصريحاتها تجاهي شخصيا، إضافة إلى تعليقات أخرى تضمنت تنمرا وكلاما مسيئا بحق أشخاص آخرين، بما في ذلك وصف الشعب اللبناني بعبارات جارحة.
وشدد يو موسى على أنّه على الرغم من ما تقوله، فهي فعليا لا تطبق هذا المبدأ على مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدا أنّه من منطلق وظيفتها كمعالجة نفسية يفترض ألا تسيء أو تهين أحدا بصحته النفسية، ومن هذا المنطلق أخذ ما كتبته عنه كعينة لطرح النقاش بشكل مباشر وموضوعي على الهواء.
ومن هذا المنطلق، أكد أنّ ما عرضه على الهواء لم يكن خروجا عن المهنية، بل كان مرتبطا مباشرة بموضوع الحلقة نفسها، التي تناولت الأخلاق واللباقة في الخطاب على مواقع التواصل الاجتماعي، لافتا إلى أنّه من الطبيعي مناقشة التناقض بين الخطاب النظري والممارسة الفعلية على هذه المنصات أثناء النقاش.
الإعلام والكلمة مسؤوليتنا جميعًا: دقّقوا، تحققوا، واحترموا، لأن كل خبر وكل منشور يُمكِنه أي يَبني المجتمع أو يهدمه. في الأزمات والحروب وعلى منصات التواصل، كل كلمة تحسب، وتحوّل الفوضى إلى نقاش هادف أو العكس. واجبنا أن نطبّق المبادئ الأخلاقية على أرض الواقع، لنحمي الناس، نخفف الاحتقان، ونقوّي الثقة بين الإعلام والجمهور.