تواجه العاصمة بيروت واقعًا صعبًا ليس فقط منذ بداية الحرب، ولكن مع تصاعد حدّة المعارك، شهدت المدينة نزوح آلاف الأشخاص من الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، ما أدى إلى ضغطٍ هائل على الأحياء والمرافق العامة.
المدينة تبدو مخنوقة وفاقدة لأي تنظيمٍ واضح، فيما تتزايد المخاطر على السكان بسبب غياب خطط واضحة لاستيعاب النازحين وضبط الفوضى المتصاعدة في الشوارع.
وسط هذه الظروف، يزداد القلق من شقق سكنية تُستأجر من قياديين حزبيين بأسماء مزوّرة، ومن نقص الرقابة والإجراءات الأمنية الفعالة لحماية المدنيين، ما يجعل العاصمة معرضة لمخاطر غير محسوبة العواقب. ومع كل هذا الواقع، يبدو أن البلدية والأجهزة المعنية عاجزة عن وضع حلول سريعة لمواجهة الأزمة.
فهل يُعقل أن تُترك "ست الدنيا" بيروت بهذا الشكل، بلا تنظيم ولا حماية، بينما تتفاقم المخاطر الإنسانية والأمنية يومًا بعد يوم، من دون أن تتحرك الجهات المعنية لتدارك الوضع؟
في هذا الإطار، رأت النائبة السابقة رولا الطبش أنّ لبنان أقحم في حرب ليست حربه، وأنّ تداعيات حرب الإسناد الأولى لم تنتهِ بعد، ما يجعل البلاد تواجه اليوم حرب إسناد ثانية تسببت في نزوح أكثر من مليون لبنانيّ، لافتا إلى أنّ إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان أدى إلى نزوح آلاف المواطنين نحو بيروت وعدد من المناطق الأخرى، ودخول العاصمة في ما يشبه "عاصفة سكانية"، حيث بات الهدف الأساسي تأمين أماكن للإيواء.
وأوضحت عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن بلدية بيروت لم تكن قد وضعت أي خطط مسبقة لاستقبال النازحين، خصوصا وأن النزوح حصل فجرا، مشيرة إلى أنّ الفوضى الناتجة عن قرار حزب الله الأُحادي كانت طبيعية تحت هذا الضغط.
وأكدت الطبش أنّ البلدية ركّزت جهودها على إدارة الأزمة وتقديم الإغاثة للنازحين، بينما تبقى مسألة ضبط الأمن والتفلّت الأمني من صميم مهام الأجهزة الأمنية، مناشدة وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار وقوى الأمن الداخلي إلى تكثيف الانتشار وضبط الأمور الأمنية. واعتبرت أنّ الوضع لا يحتمل أي تفلّت.
واعتبرت أنّ الأمر لم يقتصر فقط على النازحين المدنيين، بل شمل بعض الأشخاص المسلحين الذين تسبّبوا في إشكالات في مناطق عدة، وهذا ما أدّى، بحسب رأيها، إلى زيادة الفوضى، مشددة على أنّ هناك مسؤولية مباشرة تقع على عاتق البلدية. وأشارت إلى أنّه بعد الاستهدافات التي طالت مناطق آمنة، بدأت البلدية باتخاذ إجراءات لتسجيل الشقق المؤجرة بالتنسيق مع القوى الأمنية، معتبرة أنّ هذا الإجراء ملحّ وضروري، ويجب تكثيفه لمنع سقوط ضحايا نتيجة قيام البعض باستخدام المدنيين كدروع بشرية.
كما تطرقت الطبش إلى الاستفزازات التي ظهرت في بعض المناطق، معتبرة أنّ هذه المظاهر المسلحة، بما فيها التهديد وإطلاق النار العشوائي، باتت بحاجة لمعالجة فعلية وجذرية. وأكدت ترحيبها بالنازحين، مشددة على أنّ لغة السلاح والاستقواء بها غير مقبولة. ودعت إلى أهمية وجود قبضة أمنية قوية تحدّ من التفلت ومحاسبة كل من يخرق القانون تحت حجج الضغط النفسي أو التوتر أو الانفعال. وأوضحت أنّ استمرار هذه الممارسات يثير القلق، وأنّ الدولة مطالبة باتخاذ الإجراءات اللازمة لضبط هؤلاء الغوغائيين.
وأشارت إلى أن الوضع الحالي لم يكن مفاجئا، إذ كانت مؤشرات الحرب واضحة منذ البداية، موضحة أن الجهات المعنية في لبنان، بدل التخطيط المسبق، غالبًا ما تنتظر حدوث الكارثة ثم تسارع إلى معالجتها، وعلى الرغم من ذلك، فإن ما حصل كبير جدًا وسريع جدًا.
وأكدت الطبش أنّ البلدية تعمل حاليا بأقصى طاقتها لمواكبة موجة النزوح، بالتعاون مع الهيئة العليا للإغاثة ووزارة الشؤون وغيرها من المؤسسات المعنية، معتبرة أنّ الأمر الملحّ هو تشديد ضبط الأمن وفرض رقابة صارمة على موضوع الإيجارات. ولفتت إلى أنّ غياب مفهوم إدارة المخاطر وغياب الخطط الجاهزة للحروب أو النزوح يمثّل ثغرة كبيرة يجب التعامل معها فورا تحسّبا لأي كارثة قد تصيب البلاد.