هل بدأت الدولة فعليًا أُولى خطواتها للإمساك بزمام الأمور في لبنان لتؤكد أن الأمر حِكرًا لها من الآن فصاعدًا في كل الأمور المصيرية للبلد؟ لعل قرار لبنان منع دخول الإيرانيين إلى أراضيه من دون تأشيرات يشكل خطوة لافِتَة ومتقدمة كانت تُعَد في ما مضى من المستحيلات السياسية.
أما اليوم، فيبدو أن لبنان الرسمي، ومعه شريحة واسعة من الرأي العام، بات يقولهَا بصوت مرتفع: لا للتدخلات الإيرانية في الشؤون اللبنانية، تلك التدخلات التي لطالما كانت سَبَبًا رَئِيسِيًا في الأزمات المتلاحقة التي عصفت بالبلاد وأسهمت في إلحاق الدمار بمؤسساتها، اقتصادها واستقرارها.
وفي موازاة هذا التحول، يبرز أيضًا الحديث المتداول حول توجه وزير العدل عادل نصار إلى رفع دعوى بحق الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، في خطوة غير مسبوقة تعكس تَغَيُرًا في مقاربة الدولة لملفات طالَمَا اعتُبِرَت حساسة أو محاطة بالمحاذير السياسية والأمنية. ويأتي هذا المسار ليعزز الانطباع بأن لبنان بدأ تدريجيًا يسلك طريق إعادة تثبيت سلطة الدولة والقانون، بما يوحي بأنَ البلاد قد تكون دخلت مرحلة جديدة عنوانها استعادة القرار السيادي ووضع حد لتداخل الأدوار بين الدولة وأي قوى أو محاور خارجية.
من جهته، اعتبر الصحافي زياد عيتاني أَنَ قرار الحكومة اللبنانية بفرض بعض الشروط على دخول الرعايا الإيرانيين إلى لبنان عبر الحصول على تأشيرة مسبقة، بعدما كان الدخول يحصل سابِقًا من دون تأشيرة، يشكل خطوة أساسية في اتجاه ضبط العبور الإيراني إلى لبنان والحد من طبيعة الوجود الإيراني فيه.
وأوضَحَ عَبرَ مِنَصَة "بالعربي" أَنَ هذه الخطوة تأتي بالتوازي مع قرار تكليف القوى الأمنية بحصر ما يعرف بعناصر الحرس الثوري الإيراني وتوقيفهم تمهيدًا لترحيلهم. وقَالَ إِنَ أهمية هذا القرار تَكمُنُ في شكله السياسي أكثر مما تكمن في مضمونه العملي. فالحكومة اللبنانية، من خلال هذا الإجراء، تُوَجِه رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي مفادها بِأَنَ الوجود الإيراني المسلح أو الميليشيوي في لبنان لم يعد مقبولًا. وبحسب تعبيره، فَالحكومة منحت نفسَها من خلال هذا القرار غطاءً سِيَاسِيًا للتحرك في المستقبل ضدَ أي وجود إيراني مسلح أو غير شرعي على الأراضي اللبنانية.
وردًا على سؤال حول احتمال تنفيذ توقيفات فعلية بحق بعض عناصر الحرس الثوري الموجودين في لبنان، أوضَحَ عيتاني أنَهُ لا يعتقد أن ذلك سيحصل على نطاق واسع في المرحلة الحالية، مُعتَبِرًا أن الحكومة تسعى أساسًا إلى تثبيت واقع سياسي وإعلانه رَسمِيًا. وأشار إلى أن الحديث الذي صدر في الأيام الماضية عن قيام إيران بسحب بعض رعاياها من لبنان لأسباب أمنية وغير أمنية يندرج في سياق القرار الذي اتخذته الحكومة اللبنانية.
وأَكَدَ أَنَ الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام وضعت بذلك الكلمة الأولى في جملة سياسية جديدة مفادها بِأَنَ لبنان لم يعد ساحة مفتوحة للحرس الثوري الإيراني أو لأي وجود مسلح مرتبط به.
ولفت عيتاني إلى أَن مسألة ضبط هذا الوجود ليست سهلة بالكامل، إذ يمكن لبعض الأفراد الدخول إلى لبنان باستخدام جوازات سفر مختلفة، سواء عراقية أو حتى لبنانية، كما يمكن في بعض الحالات استخدام جوازات مزورة. غير أن المسؤولية الأساسية، بحسب عيتاني، تقع على عاتق الدولة اللبنانية وأجهزتها الأمنية التي يتوجب عليها التدقيق في هوية الداخلين إلى البلاد ومتابعة عمل الأجهزة المرتبطة بها، والتأكد من أنها لا تعمل لصالح أي جهاز أو جهة خارجية وأن تلتزم بتطبيق القوانين والقرارات الحكومية التي تقضي بمنع أي وجود مسلح إيراني على الأراضي اللبنانية.
وأشار إلى أن المسار لا يزال طويلًا وأن أمام الدولة اللبنانية والأجهزة الأمنية الكثير من العمل، مُشَدِدًا على أن هذه الأجهزة مُطَالَبَة بالاعتياد على أسلوب جديد في العمل يتلاءم مع المرحلة المقبلة. واعتَبَرَ أنَ ما حصَلَ حتى الآن يمثل مجرد الخطوة الأولى في مسار طويل، لكنها تبقى الخطوة الأهم.
وفي ما يتعلق بالحديث الذي صدر عن وزير العدل عادل نصار حول إمكان اتخاذ إجراءات أو رفع دعاوى بحق الشيخ نعيم قاسم، قال عيتاني إن المرحلة المقبلة ستشهد سماع مواقف وتصريحات لم يكن من الممكن تداولها سابِقًا في الخطاب الرسمي، مُوضِحًا أَنَ النقاش أصبح يدور عَلَنًا حول مسائل مثل حظر الميليشيات المسلحة، وعلى رأسِها الجناح العسكري لحزب الله، ومحاسبة كل من يتجاوز القانون، إضافة إلى فرض تأشيرات على دخول الإيرانيين إلى لبنان.
واعتَبَرَ أَنَ هذه الخطوات تعني عَمَلِيًا بدء عملية تصفية إرث تراكم على مدى 30 عَامًا، مُؤَكِدًا أن معالجة هذا الإرث تحتاج إلى وقت وجهد. وأَقَرَ أَنَ الحكومة والسلطة اللبنانية تأخرتا قرابة عام وأكثر قبل البدء بالتنفيذ، إلا أنه اعتبر أن الأهم هو أن المسار قد انطلق فعلِيًا وأن الخطوة الأولى قد وضعت على الطريق.