بعد تجدد الكارثة في مدينة طرابلس وسقوط 15 ضحية بريئة نتيجة الإهمال المزمن الذي تعانيه الفيحاء منذ عقود، عاد ملف المباني المتصدعة ليتصدر المشهد، كاشفًا مجددًا عجز الدولة والمسؤولين عن حماية سكان واحدة من أكثر المدن تهميشًا وفقرًا في لبنان.
وفي هذا السياق، برز حديث اللواء اشرف ريفي عن إمكان الاستقالة من مجلس النواب، بالتوازي مع وضع رئيس بلدية طرابلس وأعضاء المجلس البلدي على استقالاتهم بتصرف وزير الداخلية أحمد الحجار، ما فتح باب التساؤل حول جدوى هذه الخطوات في ظل غياب حلول فعلية لأزمة المباني الآيلة للسقوط، وحول مسؤولية نواب المدينة والجهات المعنية عن الواقع الذي يهدد حياة سكان طرابلس، لا سيما الفقراء منهم، وسبل إنقاذهم من كوارث مماثلة مقبلة.
في هذا الإطار، علق نائب رئيس حزب حركة التغيير بسام آغا على كارثة باب التبانة، معتبرًا أنَّ ما حصل لا يمكن اختزاله بسجال سياسي أو بمطالبات بالاستقالة، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من الإهمال، الفساد وغياب المحاسبة.
وأكَّدَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّ الحديث عن استقالة اللواء اشرف ريفي أو استقالة نواب طرابلس لا يعالج جوهر المشكلة، مُشددًا على أنَّ القضية الأساسية هي وقوع كارثة إنسانية في مدينة تعاني أصلًا من فقر مدقع وظروف اجتماعية قاسية.
وقال آغا إنَّ ضحايا هذه الحوادث لا يُلتَفَت إليهم إلّا في مواسم الانتخابات، فيما يُصار إلى تجاهل معاناتهم اليومية ومعاناة بيئتهم المحرومة.
وأشار إلى أنَّ هذه الكارثة تفرض البحث الجدي في أسبابها، مذكرًا بأنَّ مناطق مثل باب التبانة عانت في السنوات الماضية من جولات عنف متكررة بين جبل محسن وباب التبانة، ما أدى إلى دمار واسع في الأبنية والبنى التحتية، فضلًا عن انتشار العشوائيات في البناء.
وقال آغا إن مجلس الإنماء والإعمار كان قد رصد أموالًا في مرحلة معينة لترميم عدد كبير من هذه الابنية، خصوصًا على الشارع الرئيسي في باب التبانة، متسائلًا عن سبب عودة هذه المباني إلى الانهيار على الرّغم من ترميمها سابقًا.
وشدد على أَنَّ المشكلة الحقيقية تكمن في الفساد المستشري، معتبرًا أنّهُ طالما لا يحاسب المسؤولون عن هذا الفساد فلن نصل إلى أيّ نتيجة. وقال إنَّ الخطابات مرتفعة السقف والاتهامات المتبادلة لا تفيد بشيء وإنَّ المسؤولية تقع على عاتق الدولة التي يفترض بها تحمل واجباتها، مع الاعتراف بأنَّ هذا العجز هو نتيجة تراكمات امتدت لعقود.
وفي ما يتعلق بالحملات التي تطال أثرياء طرابلس، رفض آغا التعميم ورمي الاتهامات جزافًا، لافتًا إلى أَنَّ بعض المؤسسات الخيرية (لا سيما التابعة للرئيس نجيب ميقاتي) لا تَزَال تقدم مساعدات وتقوم بترميم منازل في عدد من المناطق. ودَعَا إلى مقاربة واقعية بعيدة عن التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
كما أَكَّدَ أَنَّهُ لا يؤيد الاستقالات، سواء استقالة النواب أَو رئيس بلدية طرابلس، مشيرًا إلى أنَّ البلدية تعاني شحًا كَبيرًا في الموارد المالية، بالكاد يسمح لها بتغطية ملف النفايات وبعض الخدمات الأساسية، على الرَّغم مِن أَنَّ طرابلس هي العاصمة الثانية للبنان ومتطلباتها كبيرة.
وفي ما خص معالجة المباني المتصدعة، اعتبر آغا أَنَّ الكلفة ليست مستحيلة كما يروج، موضحًا أَنَّ ترميم كل مبنى قد لا يتجاوز 20 - 25 الف دولار، ما يجعل تأمين التمويل أَمرًا مُمكِنًا في حال توافرت الشفافية. وشدد على أَنَّ المشكلة ليست في غياب المال بل في سرقته، مطالبًا بفتح الدفاتر ومحاسبة المسؤولين عن الهدر في قطاعات الكهرباء، المياه، السدود ومجلس الإنماء والإعمار، الذي دخلت اليه مئات ملايين الدولارات من المساعدات المحلية والخارجية.
وأَكَّدَ أَنَّهُ مِن دون محاسبة فعلية لن تستقيم الأُمور وأَنَّ من سرق يجب أَن يدفع الثمن، وإِلَّا فَإِنَّ الكوارث ستتكرر بشكل أَسوأ.