March 05, 2026   Beirut  °C
مناطق

ماذا يجري في بلدية بيروت؟ مجلس سياسي عاجز… والمدينة تدفع الثمن

لم يعد خافيًا على أحد أنّ بلدية بيروت تعيش حالة شلل شبه كاملة، في ظل مجلس بلدي يفتقر إلى الحدّ الأدنى من الانسجام والقدرة على العمل، ما انعكس مباشرة تراجعًا في الأداء وتراكمًا في الأزمات التي تضرب العاصمة وأهلها.


المجلس البلدي الحالي لم يُبنَ على أساس مشروع إنمائي واضح أو رؤية موحّدة لإدارة المدينة، بل جاء نتيجة تحالفات انتخابية عكست التركيبة السياسية اللبنانية نفسها، حيث اجتمعت قوى متخاصمة ومتعارضة في لائحة واحدة، فقط من أجل الفوز. هكذا وُلد مجلس بلدي سياسي بامتياز، عاجز عن اتخاذ القرار، ومشلول أمام أي ملف خلافي، حتى في القضايا الخدماتية البحتة.


الأخطر في هذا الواقع، أنّ عددًا كبيرًا من أعضاء المجلس لا يمتلكون معرفة فعلية بمدينة بيروت، لا بأحيائها ولا ببنيتها التحتية ولا بتفاصيل مشاكلها اليومية. فبيروت بالنسبة إلى بعضهم ليست أكثر من موقع إداري أو صفة رسمية، لا مدينة حيّة تحتاج إلى متابعة ميدانية، وفهم عميق لتعقيداتها الاجتماعية والخدماتية.


وبحسب معلومات منصّة "بالعربي"، لا يقتصر الخلل على غياب الرؤية والمعرفة، بل يتعدّاه إلى ضعف في الكفاءة الإدارية داخل المجلس نفسه. فمع اقتراب انتهاء السنة الأولى من عمره، تبيّن أن بعض الأعضاء يجهلون أبسط الإجراءات الإدارية، كآلية رفع المراسلات الرسمية، أو الأصول القانونية والتنظيمية للعمل البلدي، ما يطرح علامات استفهام كبرى حول الجهوزية والمسؤولية.


هذا الواقع يعكس خللًا بنيويًا خطيرًا: مجلس يجهل آليات العمل قبل أن يجهل واجباته تجاه مدينة أنهكها الإهمال على مدى سنوات.

حتى الأصوات التي دخلت المجلس خارج الاصطفافات الحزبية، وفي مقدّمها العميد محمود الجمل، الذي شكّل خرقًا واعدًا، اختارت اليوم الصمت، مبرّرة ذلك بأن العمل الفردي داخل مجلس منقسم غير مجدٍ. غير أنّ هذا التبرير لا يلقى قبولًا لدى الشارع البيروتي، خصوصًا في ظل حديث متزايد عن طموحات نيابية تطغى على الالتزام البلدي، وكأن المجلس بات محطة مؤقتة لا موقع مسؤولية.


أهالي بيروت، الذين راكموا خيباتهم من المجالس البلدية المتعاقبة، لم يعلّق معظمهم آمالًا كبيرة على هذا المجلس منذ لحظة تشكيله، ولا سيما بعدما ضمّ خصوم الأمس من دون أي برنامج واضح أو تعهّد عملي. بل تبيّن لاحقًا أنّ بعض الشخصيات البيروتية استخدمت المجلس البلدي كأداة في حسابات انتخابية نيابية، لا كمؤسسة لخدمة المدينة.


والأكثر خطورة، أنّ جهات أساسية شاركت في دعم وتمويل اللائحة الفائزة، اعترفت لاحقًا بأنها لا تعرف معظم الأعضاء، وأن ترشيحهم جاء بقرار حزبي بحت، بعيدًا عن أي معيار للكفاءة أو الخبرة.


في هذا السياق، دخل بعض الأعضاء المجلس بتوصيات مشبوهة ودعم شخصيات مثيرة للجدل، في إطار صفقات انتخابية ضيقة لا علاقة لها بمصلحة بيروت. وكانت النتيجة مجلسًا فاقدًا للحدّ الأدنى من التماسك، وغير قادر على إنتاج حلول أو إطلاق مسار إصلاحي جدي.


ما يجري في بلدية بيروت ليس تفصيلًا إداريًا عابرًا، بل أزمة حوكمة حقيقية. مجلس بلدي سياسي، ضعيف إداريًا، منقسم داخليًا، ومشدود إلى الحسابات الشخصية والانتخابية، فيما العاصمة تُترك لمصيرها.


وفي المحصّلة، تبقى بيروت وأهلها وحدهم من يدفعون ثمن هذا الفشل، فيما تتوزّع المسؤوليات وتضيع المحاسبة، وتبقى المدينة بلا إدارة تليق بتاريخها وحجم أزماتها.