ثمانيةُ أشهرٍ مرّت على انتخاب المجلس البلدي لمدينة بيروت، وهي فترةٌ كان يُفترض أن تكون كافية ليشعر المواطن البيروتي بأنّ شيئًا ما قد تغيّر في إدارة مدينته، ولو بالحدّ الأدنى. غير أنّ الواقع جاء مغايرًا تمامًا للتوقّعات، إذ لم يلمس البيروتيون أي تحسّن يُذكر، بل على العكس، ازداد الوضع سوءًا في كثير من الأحيان، وتراكمت الأزمات بدل أن تُعالَج.
في الاستحقاق البلدي الأخير، اجتمعت غالبية الأحزاب، على اختلاف خصوماتها السياسية، في تحالفٍ انتخابي واحد داخل المجلس البلدي. نجح هذا التحالف في إيصال أعضائه إلى المجلس، لكنّ التفاهم لم يصمد طويلًا. فما إن بدأت مرحلة العمل البلدي، حتى عادت الخلافات السياسية إلى الواجهة، وانعكست انقسامًا واضحًا داخل المجلس، الذي بدا منذ بداياته غير منسجم وغير قادر على العمل كفريق واحد. الخصومات الخارجية تسلّلت سريعًا إلى داخل البلدية، فتحوّل المجلس من مساحة لإدارة شؤون المدينة إلى ساحة صراع سياسي مبطّن، يدفع ثمنه سكان بيروت.
هذا الخلل البنيوي ظهر بوضوح في الواقع اليومي للمدينة، ولا سيّما في ملف الطرقات. فمعظم شوارع بيروت اليوم محفّرة ومهترئة، من الكولا إلى سليم سلام، مرورًا برأس النبع ومناطق أخرى كثيرة، حيث باتت الطرقات أقرب إلى حُفرٍ كبيرة تملؤها الحجارة والمياه، وتشكّل خطرًا دائمًا على السيارات والمشاة. هذه المشاهد لم تعد استثناءً، بل تحوّلت إلى صورة يومية لعاصمة يفترض أن تكون واجهة البلد.
أمام هذا الواقع، ارتفع صوت أهالي بيروت، ووجّهوا غضبهم مباشرة إلى البلدية، مطالبين بمعالجة سريعة وجدية لما آلت إليه أوضاع الطرقات. وردًّا على هذا مطالب أهالي العاصمة، توجّه رئيس بلدية بيروت إبراهيم زيدان إلى بعض المناطق المتضرّرة، وجرت جولات ميدانية التُقط خلالها صور للطرقات المحفّرة، أُرفقت بوعودٍ بمعالجة المشكلة. غير أنّ هذه الخطوات بقيت في إطار الوعود والصورة، من دون أن يلمس المواطن أي تغيير فعلي على الأرض، ما زاد من شعور الإحباط وفقدان الثقة.
المشكلة الأساسية، في جوهرها، لا تقتصر على الإسفلت والحفر، بل تكمن في المجلس البلدي نفسه. فكيف يمكن لأحزابٍ متخاصمة سياسيًا أن تُدير مجلسًا بلديًا واحدًا من دون أن تنعكس صراعاتها على العمل اليومي؟ وكيف يمكن فصل الشأن البلدي عن الحسابات السياسية، في ظلّ محاولات بعض الجهات استخدام نفوذها داخل المجلس لتحقيق مكاسب انتخابية مستقبلية، بدل التركيز على خدمة المدينة وسكّانها؟
في خضمّ هذه التجاذبات، يبقى المواطن البيروتي الخاسر الأكبر. فهو يدفع ثمن هذا الأداء المتعثّر من سلامته على الطرقات، ومن وقته وأعصابه، فضلًا عن شعوره بأنّ مدينته تُدار بلا رؤية واضحة ولا مسؤولية حقيقية. وبعد مرور ثمانية أشهر على عمر المجلس البلدي، يصبح السؤال مشروعًا وملحًّا: أين بلدية بيروت؟ وأين دورها في إدارة العاصمة، بعيدًا عن الصور والوعود، وقريبًا من حاجات الناس وحقوقهم اليومية؟