تتكرّر الهزّات الأرضية في لبنان ومحيطه في خلال الأسابيع الأخيرة، فتعود المخاوف إلى الواجهة، لا سيّما في ظل هشاشة البنية التحتية وغياب خطط واضحة لإدارة الكوارث الطبيعية. وبين أخبار متداولة بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي وتوقّعات غير علمية تُضخّم الحدث أو تربطه بكوارث وشيكة، يجد الرأي العام نفسه أمام حالة من الإرباك والقلق، يصعب معها التمييز بين المعطيات العلمية الدقيقة والتهويل غير المستند إلى وقائع.
وفي بلد يقع على تقاطع فوالق زلزالية نشطة تاريخيًا، يطرح هذا الواقع سؤالًا أساسيًا: هل تشكّل الهزّات الأخيرة مؤشرًا فعليًا على خطر زلزالي كبير أَم أنّها جزء من النشاط الطبيعي للمنطقة؟
في هذا الإطار، أشار الأستاذ المحاضر والباحث في الجيولوجيا وعلم الزلازل الدكتور طوني نمر إلى أنّ الهزّات الأخيرة المسجّلة في لبنان ومحيطه تقع ضمن النطاق الطبيعي للنشاط الزلزالي المرتبط بفالق البحر الميت وفروعه. ولفت إلى أنّ هذا الفالق يُعدّ من الفوالق النشطة تاريخيًا وأنّ تحرّكه المستمر ينتج عنه هزّات متفاوتة القوة، معظمها ضعيف ولا يحمل دلالات استثنائية.
وأَوضَحَ عبر مِنصّة "بالعربي" أَنَّ إحدى الهزّات التي أُثير حولها جدل في شمال شرق لبنان، سُجّلت في البداية على عمق صفري، قبل أن يُعاد تصحيح بياناتها لاحقًا، ليتبيّن أنّها وقعت على عمق يقارب خمسة كيلومترات، مؤكِّدًا أنّ هذه الهزّة حصلت على فالق سرغايا، وهو أحد الفروع المعروفة لفالق البحر الميت، ما يضعها في إطار النشاط الطبيعي المعتاد.
وفي ما يتعلّق بالربط بين تكرار الهزّات واحتمال وقوع زلزال كبير، شدّد نمر على أنّ المعطيات العلمية لا تسمح بهذا النوع من الاستنتاج، مُذَكِّرًا بأنّ نسبة ضئيلة جدًا من الزلازل الكبرى يسبقها نشاط تمهيدي يمكن اعتباره "هزّات استباقية"، فيما تقع الغالبية الساحقة من الزلازل من دون أي إشارات مسبقة واضحة.
كما أشار إلى أنّ تاريخ الزلازل في لبنان والمنطقة يظهر أنّ الزلازل القوية تُعدّ أحداثًا نادرة ومتباعدة زمنيًا، ولا يمكن التنبؤ بها استنادًا إلى هزّات خفيفة أو متوسطة، لافِتًا إلى أنّ استحضار الزلازل التاريخية يجب أن يكون في سياق علمي يهدف إلى فهم حركة الفوالق، لا إلى إثارة الخوف أو التهويل.
ورأى نمر أَنَّ التعاطي السليم مع الواقع الزلزالي يفترض الوعي العلمي، لا الذعر، مُعتَبِرًا أَنَّ الخطر الفعلي لا يكمن في الهزّات بحدّ ذاتها، بل في غياب الجهوزية والالتزام بمعايير السلامة. ودَعَا إلى مُقَارَبَةٍ عقلانية مبنية على العلم لا على الشائعات.