على وقع الغضب المتجدد لِأَهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت، نظَّمُوا وقفة احتجاجية أَشعَلُوا في خِلَالِهَا الإِطارات تَندِيدًا بقرار الحكومة تعيين غراسيا القزي مديرة عامة للجمارك.
وعند البوابة رقم 3 للمرفأ، قبالة مبنى الجمارك، رفع المحتجون صور ابنائهم ولافتات تطالب الحكومة بالتراجع عن قرارها، معبرين عن إدانتهم لتعيين القزي التي كانت محل شبهات، ومؤكدين أنهم عادوا إلى نقطة الصفر وأنهم سيعاودون تحركاتهم في الشارع.
وفي ظل هذا التصعيد، يبرز السؤال حول مصير هذه التحركات وما اذا كانت قادرة على فرض ضغط فعلي على الحكومة يدفعها إلى التراجع عن قرارها، كما يطرح في المقابل تساؤل أساسي حول مصير التحقيقات القضائية والقرار الظني المنتظر في ملف انفجار 4 آب وما إِذا كان سيسلك طريقه أَخيرًا نحو الحقيقة والمحاسبة.
في هذا السياق، قالت المتحدثة باسم أهالي الضحايا المحامية سيسيل روكز أَنَّ الاعتراض على تعيين غراسيا القزي مديرًا عَامًا للجمارك ينطلق من أسباب قانونية ومبدئية واضحة، تتعلق بمسار التحقيق في جريمة انفجار المرفأ وبحساسية الموقع الذي حصل التعيين فيه.
وأَوضَحَت عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّ القزي هي من بين الأَشخاص المدعى عليهم في ملف تفجير مرفأ بيروت، مشيرة إلى أَنَّهُ حتى اليوم لم يصدر القرار الاتهامي النهائي، ولا يزال غير معروف ما إِذَا كانت ستتهم أَو ستبرأ، إِلَّا أَنَّ وجودها في خانة الادعاء يطرح شبهة جدية لا يمكن تجاهلها.
ولفتت روكز إلى أَنَّ جميع المدعى عليهم من قبل المحقق العدلي القاضي طارق البيطار هم قيد الشبهة إلى حين صدور القرار النهائي الذي يحدد المسؤوليات، مُشَدِّدَةً على أَنَّ منصب المدير العام للجمارك هو وظيفة من الفئة الأُولى في الدولة اللبنانية، ويعد من أخطر وأَهَمّ المراكز الإِدارية، نَظَرًا لدوره المحوري وحساسيته. واعتبرت أَنَّ تعيين شخص تحوم حوله شبهة في ملف بهذا الحجم يشكل أَمرًا غير مقبول، مُؤكِّدَةً أَنَّ الاعتراض لا يحمل أَي بعد شخصي أَو تمييزي، ولا يستهدف القزي كامرأة أَو كشخص، كما أَنَّهُ لا يسبق القضاء في الحكم عليها، بل يستند فقط إلى مبدأ التحفظ والحيطة في إِدَارَةِ الشأن العام.
ولَفَتَ روكز إلى أَنَّ مبدأ قرينة البراءة يبقى أَسَاسِيًّا ومُكَرَّسًا في القانون وأَنَّهُ من المعروف أَنَّ عَدَدًا مِنَ الأشخاص قد يخرجون أَبرياء أَو تسقط بحقهم التعقبات لاحقًا، إِلَّا أَنَّ وجود الشك، خُصوصا في مركز حساس من هذا النوع، يفرض الامتناع عن تعيين أَيِّ شخص يمكن أَن يكون موضع تساؤل أَو شُبهَة.
ورأت أَنَّ من غير المقبول وضع شخصية في موقع عام حساس في وقت لا يزال فيه احتمال، ولو ضئيلًا، لتحملها مسؤولية ما في جريمة أَدَّت إِلى مقتل المئات من الضحايا.
وقَالَت روكز إِنَّ أَهَالِي الضحايا، الذين لم يعرفوا حتى اليوم من تسبب بمقتل أَبنائهم، من حقهم الطبيعي الاعتراض على ما وصفته بمكافأة المدعى عليهم عبر تعيينهم في مراكز أَساسية في الدولة، في حين أَنَّ عَدَدًا من الأَشخاص الأَكُفَّاء وغير المشكوك فيهم يمكن أَن يشغلوا هذه المواقع، مُشيرَةً إلى أَنَّ سوابق التعامل مع مدعى عليهم في ملفات أُخرى كانت تقضي بوضعهم بالتصرف إلى حين جلاء الحقيقة، لا الإِبقاء عليهم في مواقعهم أَو ترقيتهم بانتظار قرارات قد تصدر بعد سنوات طويلة.
وفي ما يتعلق بمسار التحقيق، شرحت أَنَّ الملف شهد تطورًا قضائِيًّا مُهِمًّا في الفترة الأخيرة. وذكرت أَنَّ المدعي العام التمييزي السابق غسان عويدات كان قد ادعى على القاضي طارق البيطار بجرم اغتصاب السلطة في العام 2023، ما حال دون تمكن الأَخير من استكمال عمله وإِصدار قراره الاتهامي، نَظَرًا لوجود دعوى معلقة تشكل سيفًا مُسَّلَّطًا عليه.
وأوضحت روكز أَنَّ قاضي التحقيق حبيب رزق الله أَصدر في الأُسبوع الماضي قرارا قضى بعدم وجود جرم اغتصاب سلطة، ما سمح للقاضي البيطار باستعادة صلاحيته لمتابعة الملف. كما صدر قرار بمنع المحاكمة بحق القاضي البيطار في الدعوى المقدمة ضده من عويدات، وانضم إلى هذه الدعوى كل من علي حسن خليل وبدري ضاهر بِالادعاءات ذاتِه.
وأَشَارت إلى أَنَّ قرار منع المحاكمة صدر أَيضًا بحق علي حسن خليل، إِلَّا أَنَّ الأَخير تقدم باستئناف الأُسبوع الماضي، ما أَبقى الملف مُعَلَّقًا بانتظار بت الهيئة الاتهامية التي عُيِّنَت خصيصا للنظر في هذا الملف برئاسة القاضي الياس عيد.
وختمت روكز: صدور القرار النهائي في مسألة اغتصاب السلطة هو شرط أَساسي لتمكين القاضي البيطار من المضي قدمًا وإصدار قراره الاتهامي في ملف انفجار مرفأ بيروت.

