لم يعد مشهد إطلاق النار داخل المخيمات الفلسطينية حدثًا صادمًا بحدّ ذاته، بقدر ما أصبح مؤشرًا خطيرًا على واقع أمني يتدهور بصمت. الفيديو الذي انتشر أخيرًا من مخيم برج البراجنة ويُوَثِّق إشكالًا مسلّحًا بين شبّان انتهى بسقوط جرحى، لم يكن سوى تفصيل جديد في مشهد أكبر، عنوانه السلاح المتفلّت وغياب المرجعية الأمنية.
في تفاصيل الحادثة، أطلق شاب يستقل دراجة نارية النار باتجاه أشخاص يجلسون أمام أحد المحال، قبل أن يردّ أحدهم بالمثل. في خلال ثوانٍ، تحوّل خلاف غير واضح الخلفيات إلى مواجهة مسلحة، في منطقة مكتظة بالسكان، من دون أي اعتبار لحياة المارّة أو الجالسين أو الأطفال. هذا النوع من الحوادث يتكرر يوميًا، داخل أكثر من مخيم، وبوتيرة باتت تنذر بما هو أخطر.
المشكلة لم تعد محصورة داخل أسوار المخيمات. فالتداخل الجغرافي بينها وبين الأحياء اللبنانية المجاورة جعل أي انفلات أمني قابلًا للتمدّد خَارِجَهَا.
حادثة مقتل الشاب اللبناني إليو أبو حنا داخلَ مخيم شاتيلا شكّلت لحظة مفصلية في هذا النقاش. شاب في الخامسة والعشرين من عمره، أضاع طريقه، فدفع حياته ثمنًا لسلاح فردي أُطلق بلا تردّد ولا محاسبة. تلك الجريمة أسقطت آخر الذرائع التي حاولت تبرير واقع السلاح داخل المخيمات تحت عناوين "الحماية" أو "الخصوصية الأمنية"، وأظهرت بوضوح أن هذا السلاح لا يحمي أحدًا، بل يقتل بلا تمييز.
من هنا، يبرز السؤال الجوهري: ما الحاجة الفعلية اليوم لهذا الكمّ الهائل من السلاح داخل المخيمات؟ ومن المستفيد من بقائه؟ الواقع يشير إلى أن السلاح، الذي كان يُبرَّر في مراحل سابقة بسياقات سياسية وأمنية مختلفة، فقد أي وظيفة منطقية له اليوم وتحول إلى عنصر تفجير داخلي. فلا سلطة تضبط استخدامه، لا إطار ينظّم حيازته ولا جهة تتحمّل مسؤولية نتائجه.
في كثير من المخيمات، بات السلاح جزءًا من الحياة اليومية. قطع خفيفة ومتوسطة موجودة في المنازل، تُستخدم أحيانًا في مناسبات شخصية، وأحيانًا في خلافات عابرة. والمفارقة أن هذا السلاح الفردي، تحديدًا، يُعدّ الأخطر، لأنه الأكثر استخدامًا والأقل خضوعًا لأي قرار مركزي أو حسابات سياسية.
أمام هذا الواقع، لم يعد ممكنًا فصل ملف أمن المخيمات عن النقاش الأوسع المتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة. فالدولة التي تبدأ بتنفيذ خطة لحصر السلاح خارج الشرعية، لا يمكنها القفز فوق سلاح المخيمات أو التعامل معه كاستثناء دائم. المطلوب مقاربة شاملة، هادئة لكن حازمة، تضع أمن المخيمات تحت سقف الدولة وتحمي في آنٍ واحد كرامة اللاجئ الفلسطيني وحقه في العيش الآمن.
الإبقاء على الوضع القائم يعني القبول باستمرار الفوضى وبمزيد من الضحايا الأبرياء، داخل المخيمات وخارجها. أما فتح هذا الملف بجدية، فهو خطوة أساسية على طريق استعادة هيبة الدولة وترسيخ معادلة لا تحتمل الالتباس: لا أمن بلا دولة ولا سلاح مشروعًا خارج رقابتها، مهما كانت الذرائع أو الحساسيات.