January 14, 2026   Beirut  °C
مجتمع

بين الرصاصة والكأس… قوى الأمن تدق ناقوس الخطر قبل رأس السنة

في سياق الاستعدادات لاحتفالات رأس السنة، وفي ظلّ واقعٍ أمنيٍّ واجتماعيٍّ بالغ الحساسية، أطلقت قوى الأمن الداخلي حملتين توعويتين تحملان بعدًا وطنيًا وإنسانيًا يتجاوز إطار المناسبة، ليطال سلوكيات يومية ترسّخت مع الوقت وتحولت إلى خطرٍ مباشر على حياة اللبنانيين وسلامتهم.

حملتان لا تكتفيان بالتحذير، بل تسعيان إلى إحداث صدمة وعيٍ مطلوبة، في مجتمعٍ أنهكته الخسائر البشرية والمآسي المتكرّرة.

 

الحملة الأولى، بعنوان "طايشة بس بتصيب"، تُسلّط الضوء على جريمة إطلاق النار في الهواء، وهي ظاهرة اعتاد عليها اللبنانيون في الأفراح كما في الأحزان، حتى باتت تُمارَس بوصفها من الطقوس الاجتماعية،على الرَّغمِ مِن ما تخلّفه من ضحايا أبرياء.

 

أمّا الحملة الثانية، "كاس بالزايد… حياة بالناقص"، فتتناول القيادة تحت تأثير الكحول، باعتبارها أحد أبرز أسباب حوادث السير القاتلة، لا سيّما في خلال الأعياد حيث ترتفع نسب السهر والاستهتار.

 

لطالما بُرِّرَ إطلاق النار في الهواء باعتباره تعبيرًا عن الفرح أو الغضب أو الحزن، لكن الوقائع الموثّقة تثبت أنّ "الرصاصة الطائشة" ليست مجرّد صوتٍ عابر.


هي رصاصات تسقط على رؤوس أبرياء، في منازلهم أو شوارعهم، تصيب أطفالًا وشبابًا وتخلّف قتلى وجرحى وخسائر مادية ونفسية لا تُعوّض.


هذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن واقع السلاح المتفلّت المنتشر بين أيدي المواطنين ولا يكفي التصدي لها بحملات موسمية، على أهميتها، ما لم تُستكمل بخطة شاملة تعالج جذورها، وفي مقدّمها:

- تنظيم منح رخص السلاح وفق معايير واضحة وصارمة.

- تحديد كيفية استخدام السلاح ومتى وحصره ضمن الإطار القانوني الضيّق.

- تشديد القوانين وتطبيقها بلا استثناء أو محسوبيات.

- المحاسبة الجدية والفورية لكل من يطلق النار، أيًّا كانت المناسبة أو الذريعة.

من دون محاسبة حقيقية، تبقى القوانين حبرًا على ورق، وتبقى أرواح الناس رهينة "الرصاصة الطائشة".

 

بالتوازي، تكتسب حملة "كاس بالزايد… حياة بالناقص" أهمية مضاعفة مع حلول رأس السنة. فالقيادة تحت تأثير الكحول لا تهدّد حياة السائق وحده، بل تضع حياة الآخرين في دائرة الخطر: مشاة، عائلات، أطفال وسائقون لا علاقة لهم بخيارٍ شخصي خاطئ اتخذه غيرهم.

 

الإحصاءات والتجارب الميدانية تؤكد أنّ نسبة كبيرة من حوادث السير القاتلة مرتبطة بتعاطي الكحول وأن لحظة استهتار واحدة قد تتحول إلى مأساة دائمة: إعاقة لا تُشفى، وفاة لا تُعالج، سجن، أو عائلة تُفجَع إلى الأبد.


الرسالة الجوهرية من هاتين الحملتين واضحة وحاسمة: الفرح لا يحتاج إلى رصاص والاحتفال لا يبرّر تعريض الحياة للخطر.

رأس السنة يجب أن تكون محطة أمل وبداية جديدة، لا موسمًا لتجديد الأحزان وتعداد الضحايا.

الالتزام بعدم إطلاق النار، والامتناع عن القيادة تحت تأثير الكحول، ليسا واجبًا قانونيًا فحسب، بل مسؤولية أخلاقية ووطنية. فالأمن الحقيقي لا يبدأ فقط من الحواجز والدوريات، بل من وعي المواطن ومن قراره الفردي بأن يحمي نفسه ويحمي غيره.


في بلدٍ دفع أثمانًا باهظة من دم أبنائه، لم يعد مقبولًا أن نخسر أرواحًا إضافية بسبب "عادة" أو "كأس زائدة".


هذه الحملات ليست شعارات موسمية عابرة، بل دعوة صريحة إلى تغيير السلوك، كسر ثقافة التفلّت والتبرير وترسيخ احترام الحياة كقيمة عليا.

فرأس سنة آمنة ليست مطلبًا مستحيلًا، بل خيارًا يبدأ بوعي المواطن، يتكرّس بتطبيق القانون ويكتمل بإرادة جماعية تقول بوضوح: نريد الفرح… بلا دم.