January 14, 2026   Beirut  °C
أمن وقضاء

صرخة من داخل الجسم القضائي: حماية القضاة ضرورة لا خيار

هل خطرت إلى أذهاننا ولو لُبْرَهة ما قد يتعرَّض له صاحبُ الكلمةِ الأخيرة في القانون؟ صاحبُ الكلمةِ الفصل في أي قضية تُطرح أمام قضبان المحاكمة، وهذه الرَّهبة التي تُعادِل باسم القانون.

سلطةٌ "كبرى" تحمل في طيّاتها مسؤولية مواجهة المسائل "الأكبر" في البلاد، والتي تخدشُ صفحات كتاب القانون.

في الماضي البعيد والقريب، في مُرِّ الأيام وحُلْوِها، شهد لبنان، ولا يزال، تدخلًا سياسيًا في المسائل القضائية، وترهيبًا مُنافيًا للإنسانية لمن يقفون في الصفوف الأمامية لمواجهة الفساد. على سبيل المثال لا الحصر، ولِنُقرِّب الصورة إلى أذهان قرّائنا، نذكر اسمًا رفض التدخل السياسي، فجاءه الردّ من العابثين في ملفٍّ حسّاس يضع يده عليه: القاضي طارق البيطار.

من يحميه؟ من يطالب بحقّه في حياةٍ آمنة؟ من يضمن له إكمال قضاياه من دون أن يرنّ هاتفه فيظهر على شاشته رقمٌ مُميّز لشخصية "سياسية"؟

وكم من مطلوبٍ للعدالة متوارٍ عن الأنظار لعدم إيمانه بأنه سيُحاكَم عَدْلًا؟

وكم من تعيينٍ قضائيٍّ وصل في قطارِ "الواسطة" ولو من دون كفاءة؟


ما طرحناه في الأسطر القليلة ما هو إلّا القليل ممّا يعانيه الجسمُ القضائي، ناهيكَ ـ أيها القارئ ـ عن وضعه المعيشي بعد الأزمة المالية في لبنان. أضِف إلى ذلك عدم إيمان اللبنانيين بهذا الجسم.

قضاؤنا مُكبَّل بأصفادٍ بشريةٍ تهاب أن يُفضَح فسادها. فمن يحميه؟


لَوْهلةٍ ظننّا أن ما كتبناه ما هو إلّا أوهام، إلى أن أتانا الردّ من داخل الجسم القضائي: "طُموح كلّ قاضٍ أن يكون مجلسُ القضاء الأعلى خلفَه وداعمًا له".

بهذه الكلمات عبّرت القاضية نجاة أبو شقرا.


وقالت عبر منصة "بالعربي": طُموح كلّ قاضٍ أن يكون مجلسُ القضاء الأعلى داعمًا لمطالبه، سواء على المستوى الماديّ في ظلّ تدهور المعاشات، أو في ما يتعلّق باللوجستيات المرتبطة بحماية القضاة وتأمين متطلّبات عملهم، وصولًا إلى دور المكتب الإعلامي الذي يُفترض أن يتدخّل عند تعرّض أيّ قاضٍ لحملاتٍ أو إساءات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ليشعر القاضي بأنّ هناك من يحميه ويصون مكانته.

وأضافت أبو شقرا: يبقى الوصولُ إلى تشكيلاتٍ قضائيةٍ مُنصِفة مطلبًا أساسيًا، مشدّدةً على أن الكفاءة وحدها يجب أن تكون معيار هذه التشكيلات، آملةً أن يتمكّن القضاء اللبناني يومًا ما من تحقيق هذه المبادئ كاملة.


ختامًا، إنّ استقلال القضاء ليس شعارًا يُرفع، بل منظومة متكاملة تبدأ بحماية القاضي، وتحصين من يكشف الفساد، وتأمين بيئة عمل عادلة وشفافة، وهي مطالبُ حقٍّ لا تحتمل التأجيل.