مع اقتراب موعد انتهاء مهلة "الهدنة" بين إسرائيل وحزب الله الأحد 17 أيار، تتجه الأنظار إلى ما ستؤول إليه جولات المفاوضات القائمة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، في ظل أجواء شديدة التعقيد.
وفي الوقت الذي أشارت فيه المعلومات إلى أن أجواء جلسة الخميس من المفاوضات لم تكن إيجابية، تبقى الأنظار معلقة على ما قد تنتجه الجلسة الثانية اليوم، لمعرفة ما إذا كانت ستمدد فترة وقف إطلاق النار (الشكلي في ظل استمرار اشتعال الجبهة جنوبا)، أم أن الأمور ستتجه نحو مزيد من التصعيد.
وفي ظل هذه الأجواء، تبرز تساؤلات أساسية حول ما الذي ينتظر لبنان في حال فشل تلك المفاوضات، وما إذا كانت العمليات العسكرية الإسرائيلية ستبقى ضمن حدود الاحتواء ضمن مناطق الجنوب، أم أنها ستدخل مرحلة أكثر خطورة على المستويين الأمني والعسكري لتطال مجددا بيروت والضاحية الجنوبية.
في هذا الإطار، قدم المحلل السياسي والصحافي الدكتور داوود رمال تصوره لما ستحمله الأيام المقبلة على صعيد الصراع بين إسرائيل وحزب الله، مؤكدا أن تمديد الهدنة بات أمرا شبه محسوم. وتوقع أن يتضمن البيان المرتقب صدوره عند منتصف ليل الجمعة بتوقيت بيروت، في ختام يومين من جولات المحادثات بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية، بندا أساسيا يتعلق بتمديد الهدنة القائمة.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن المفاوض اللبناني، المدعوم من السلطات السياسية والدستورية في لبنان، يعمل على أن يتحول هذا الإعلان إلى وقف نهائي لإطلاق النار، بما يعني وضع حد لعمليات القتل والتدمير والعمليات الحربية ضد لبنان، تمهيدا للانتقال إلى البحث الجدي في بقية الملفات المطروحة على طاولة التفاوض، لا سيما ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي والترتيبات المرافقة له، مشيرا إلى أن التقديرات تصب في مصلحة تمديد الهدنة، بل أن هناك ضغوطا دولية واضحة للدفع نحو إعلان رسمي ونهائي لوقف إطلاق النار باعتباره الإنجاز الأول لجولات المحادثات الحالية، على أن يبحث لاحقا في سائر النقاط العالقة.
وفي معرض حديثه عن أجواء التفاوض، رأى رمال أن الحديث عن سلبية الجلسات ليس أمرا جديدا، مذكرا بأن من تابع مفاوضات مدريد في تسعينيات القرن الماضي يدرك أن الجانب الإسرائيلي يعتمد دائما سياسة رفع سقف المطالب إلى الحدود القصوى، ويتعمد التشدد والتعنت خلال المفاوضات، معتبرا أن هذا النهج يزداد وضوحا في ظل دخول الداخل الإسرائيلي عمليا في أجواء الانتخابات واحتمال التوجه إلى انتخابات مبكرة للكنيست، أو حتى إجراء الانتخابات في موعدها مع نهاية العام الحالي.
وقال إن الموقف الإسرائيلي معروف بتشدده الدائم، إلا أن ذلك لا يعني تراجع الوساطة الأميركية أو تخفيف اندفاعها نحو الوصول إلى اتفاق، مشددا على ضرورة عدم الخلط بين التفاوض من أجل وقف الصراع وبين مسألة توقيع معاهدة سلام. وأوضح أن ما يحصل في واشنطن يهدف إلى التوصل إلى اتفاق ينهي حالة الصراع اللبناني الإسرائيلي، في حين أن لبنان لا يزال ملتزما بالمبادرة العربية للسلام التي أقرت في العام 2002، ولن يذهب نحو أي معاهدة سلام مع إسرائيل خارج إطار الموقف العربي الجامع، وتحديدا في ظل موقف المملكة العربية السعودية.
ووصف رمال المرحلة الحالية بأنها معركة دبلوماسية حقيقية، لافتا إلى أن رئيس الوفد اللبناني السفير سيمون كرم يتمتع بهدوء وأعصاب باردة، إلى جانب تصميم واضح على تحقيق نتائج إيجابية، مستفيدا من خبراته السابقة ضمن الوفد اللبناني في مفاوضات مدريد وفي ملفات التفاوض مع الجانب الإسرائيلي.
وعلى المستوى الداخلي، أقر باستمرار بعض الأصوات الرافضة لفكرة التفاوض المباشر، مشددا على أن جميع اللبنانيين يتطلعون إلى نجاح مفاوضات واشنطن في التوصل إلى وقف نهائي لإطلاق النار، في ظل الواقع الميداني المؤلم الذي يعيشه جنوب لبنان. وأكد أن إسرائيل لا تميز بين المدنيين وغيرهم، بل تستهدف البشر والحجر، وترتكب مجازر بحق المدنيين والهيئات الإسعافية والصحافيين، في مخالفة واضحة لقواعد القانون الإنساني الدولي.
كما كشف رمال عن رهان كبير على الدور الذي يمكن أن يؤديه رئيس مجلس النواب نبيه بري في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار، بحيث يشكل ضمانة لعدم إعادة فتح جبهة الجنوب، حتى في حال حصول تطورات إقليمية سلبية. وأشار إلى وجود قناعة لدى عدد من الأطراف بأن بري قادر على لعب دور أساسي في إقناع حليفه حزب الله بعدم الانجرار إلى أي مواجهة جديدة إذا اندلعت جولة تصعيد إقليمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
وفي السياق نفسه، أوضح أن خطوط التواصل الداخلي لا تزال مفتوحة بين الرئاسات الثلاث، وإن بقي جزء منها بعيدا عن الإعلام، مشيرا إلى اللقاءات التي يعقدها رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، إضافة إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، فضلا عن الزيارات المتبادلة بينهم، والتي تصب جميعها في إطار تعزيز التهدئة الداخلية والاستفادة من أي إنجاز قد يحققه الوفد اللبناني في واشنطن.
وأكد رمال أن أي تقدم في المفاوضات قد يشكل فرصة حقيقية للخروج من الأزمة العميقة التي ترزح البلاد تحت وطأتها نتيجة استمرار المواجهات في الجنوب وما خلفته من خسائر فادحة على مستوى الشعب والأرض والمؤسسات.
وفي ضوء ما تقدم، يبقى الأمل معقودا على أن تفضي هذه المفاوضات إلى نتائج إيجابية وملموسة، لأن اللبنانيين بغالبيتهم الساحقة باتوا يتطلعون بفارغ الصبر إلى أي مخرج يجنب وطنهم تكرار الكأس المرة التي يتجرعها في كل مرحلة بفعل أجندات خارجية تفرض عليه. وما على حزب الله إلا أن يدرك دقة اللحظة وخطورة المرحلة، وأن يبتعد عن المكابرة والحسابات الضيقة، رحمة ببيئته أولا، وبسائر اللبنانيين الذين أنهكتهم الأزمات والمعاناة المستمرة>