في وقت يترقب فيه اللبنانيون نتائج الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يتواصل التصعيد الإسرائيلي على الأرض بوتيرة مرتفعة، من الجنوب اللبناني إلى الجية والسعديات، في مشهد يوحي بأن المسار العسكري لا يزال يتقدم على أي مسار سياسي. وبين الرهان اللبناني على دور واشنطن في الدفع نحو وقف لإطلاق النار، والتمسك الإسرائيلي بمواصلة الضغط الميداني، تبقى الأنظار مفتوحة على ما قد تحمله هذه الجولة من نتائج، وما إذا كانت ستؤسس لمرحلة تهدئة فعلية أم لمزيد من التصعيد تحت سقف التفاوض.
انطلاقا من هذا الواقع، أكد مؤسس ومدير "ستاتيستكس ليبانون" ربيع الهبر أن ما يجري ميدانيًا لا يعد تصعيدًا جديدًا بقدر ما هو استمرار للوتيرة نفسها التي شهدتها الأيام الماضية، مشيرًا إلى أن الاستهدافات الإسرائيلية لم تتوقف أصلًا، وأن ما حصل في الجية يندرج ضمن السياق العسكري القائم، بعدما سُجلت أيضًا ضربات خلال الأيام السابقة.
وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن المفاوضات مستمرة، إلا أن الأجواء لا توحي حتى الآن بإمكان تحقيق اختراق سريع، لافتًا إلى وجود تباعد واضح بين مطالب الطرفين. فلبنان يطالب بوقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيل، وإطلاق الأسرى، في حين لا تبدو إسرائيل مستعدة للالتزام بهذه الشروط في المرحلة الحالية.
ورأى الهبر أن الضربات الإسرائيلية الأخيرة لا تحمل بالضرورة رسائل استثنائية مرتبطة بجولة التفاوض، بل تعكس استمرار السياسة الإسرائيلية القائمة على استهداف حزب الله ومواصلة العمليات العسكرية حيثما أمكن.
وفي ما يتعلق بالموقع التفاوضي للبنان، اعتبر أن لبنان يدخل جولات التفاوض من موقع ضعيف، وأن عنصر القوة الأساسي لديه لا يكمن في أوراق داخلية، بل في الرغبة الأميركية بالتوصل إلى تفاهم بين لبنان وإسرائيل. واعتبر أن واشنطن تدفع باتجاه استمرار هذا المسار، وتسعى إلى إبقاء لبنان ضمن دائرة التفاوض.
وعن الهدنة التي تنتهي في السابع عشر من الشهر، رجّح الهبر أن تعمل الولايات المتحدة على تمديدها، لأن انهيارها قد يؤدي إلى خروج لبنان من المفاوضات، ما يفقد العهد الحالي إحدى الحجج الأساسية للاستمرار في هذا المسار، والمتمثلة بتأمين حدٍّ أدنى من وقف إطلاق النار.
لكنه أشار، في المقابل، إلى أن أي تمديد محتمل سيبقى خاضعًا للشروط والضوابط الإسرائيلية، لا سيما في ما يتصل بالجنوب ومنطقة جنوب الليطاني، معتبرًا أن المشهد الحالي مرشح للاستمرار ضمن حلقة من التفاوض المترافق مع العمليات العسكرية.
وختم الهبر بالتشديد على أنه حتى في حال الوصول إلى اتفاق، إن حصل، فإن ذلك لا يعني بالضرورة توقف العمل العسكري الإسرائيلي، إذ يرى أن إسرائيل ستواصل الضغط بهدف تجريد حزب الله من سلاحه، معتبرًا أن الحديث عن قدرة الدولة اللبنانية وحدها على تنفيذ هذا الأمر يبقى غير واقعي في ظل موازين القوى الحالية.
في المحصلة، يبقى اللبنانيون بانتظار ما ستؤول إليه مفاوضات واشنطن، في ظل التصعيد الإسرائيلي المستمر في الجنوب اللبناني والاستهدافات المتكررة في مناطق مختلفة. وبين تفاؤلٍ يبديه البعض حيال الرغبة الأميركية في التوصل إلى اتفاق بين الطرفين اللبناني والإسرائيلي، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات عديدة، بين ما قد تنتجه الطاولة التفاوضية وما قد يفرضه الواقع العسكري على الأرض.